عجب عجب عجب عجب/ قطط سود ولها ذنب. من يتأمل هذا البيت من الشعر لا يجد فيه أي عجب، فالقطط السود، شأنها شأن القطط ذات الألوان الأخرى، لها ذنب، وحتى الآن لم يتمكن علماء الجينات وخبراء التخصيب الاصطناعي من انتاج قطط بلا ذنب حتى يكون الذنب مثارا للعجب.

والعجب في هذا البيت ذكرني بعجب آخر هو: عندما تعجب أبو نواس لأنه وندماءه الذين يجلسون معه في مركب في نهر دجلة قوم جلوس حولهم ماء، وكان أحد الندماء قد طلب من أبي نواس أن يصف الجلسة، ولم يكن شاعرنا في وضع يسمح له بقول الشعر فارتجل قصيدة طويلة جاء فيها: كأننا والماء من حولنا/ قوم جلوس حولهم ماء وهذه القصيدة ذكرتني بقصيدة أخرى تتألف من كلمات مكررة جاء فيها: الماء ماء، والسماء سماء/ والبحر بحر والهواء هواء.

وذات يوم تعجب حافظ ابراهيم، شاعر النيل، من تصرفات أمير الشعراء أحمد شوقي، فقال شعرا، وكان شوقي يشعر بالغيرة من حافظ ويحاول التقليل من شأن شاعريته ويزعم أنه لا يستطيع ارتجال الشعر، وبينما كان النقاش حول هذه النقطة يدور بين شوقي وبعض الشعراء، وإذا بحافظ يطل، فصمت الجميع، أما شوقي فقد قرر في نفسه أمراً.

وفور انضمام حافظ إلى قبيلة الشعراء صفق بيديه للنادل وطلب فنجانا من القهوة، كالعادة، وجرت العادة أيضاً أن يدفع شوقي الحساب عن الجميع، فقد كانت قبيلة الشعراء في ذلك الحين لها اسم آخر هو قبيلة المفلسين وكان شوقي هو الوحيد الميسور بينهم.

وبعد فترة جاء النادل يطلب الحساب من حافظ، فتململ حافظ، بينما أشغل شوقي نفسه بالحديث مع إمام العبد، فارتجل حافظ قصيدة قال فيها: يقولون إن الشوق نار ولوعة/ فما بال شوقي اليوم أصبح باردا، فاعترف شوقي بشاعرية حافظ. وفي حفل تأبين حافظ بعد سنوات قال شوقي يرثيه قد

كنت أوثر أن تقول رثائي/ يا منصف الموتى من الأحياء.

وهنالك عجب آخر يلح على وجداني الآن هو: كيف احتمل الذين وصلوا إلى هذه الكلمة القراءة إلى هذا الحد.

أبو خلدون

[email protected]