سيكون من قبيل تحصيل الحاصل أن يقال إنّ العنصريّة ظاهرةٌ سياسيّة لدى المجتمعات السّياسيّة في عهودها كافّة، بمقدار ما كانت ظاهرة اجتماعيّة تغلغلت في نسيج النّظام الاجتماعيّ في كلّ الاجتماع الإنسانيّ. هذا قولٌ أشبهُ ما يكون بالتّقرير: تقريرُ الحال، إذ تقوم عليه الشّواهدُ من الواقع المباشر ومن تاريخ الاجتماع الإنسانيّ المكتوب والمَحكيّ المتَناقَل بالتّوارُث، وتؤكّده الأخبارُ عن حوادث الصّدام بين الجماعات الاجتماعيّة المتبادِلة لمشاعر الإنكار داخل المجتمع الواحد، وحوادث المواجهات بين المجتمعات والدّول.
يزيد من سياسيّات العنصريّة اليوم أنّها دخلت في نسيج المساجلات السّياسيّة الحزبيّة والحملات الانتخابيّة والتّعبئة والتّحشيد، باسم الهويّات و«النّقاء» العرقيّ، في أرجاء العالم قاطبةً، مع ما يقترن بذلك من شيطنة الآخر واستنفار الغرائز العنصريّة.
مع إمكان التّسليم بالطّبيعة السّياسيّة لظاهرة العنصريّة واستخداماتها في حقل الصّراعات السّياسيّة، يظلّ جائزاً أن يُتَساءَل عمّا إذا كانت، فعلاً، ظاهرةً سياسيّة في «الطّبيعة» والمنشأ أم هي ظاهرةٌ ثقافيّة في الأساس. السّؤالُ مشروعٌ من وجوهٍ عديدة يكفينا منها وجْهٌ واحد رئيسٌ ومتكرّرٌ على الدّوام: الظّواهرُ السّياسيّة تبدأ من نقطةِ بدايةٍ ثقافيّة، دائماً، لأنّ مَنشأها ثقافيّ، ثمّ لا تلبث أن تلبس لبوسها السّياسيّ حتّى لَيكاد أن يختفيَ معه كلُّ مضمونٍ ثقافيّ لها. وراء كلّ ظاهرةٍ سياسيّة (سلطة، حزب، مشروع سياسيّ، حرب...) فكرةٌ مؤسِّسة - موعى بها أو غيرَ موعى - تنمو في حضنٍ ثقافيّة...، والعنصريّةُ من هذا الجنس.
السّياسي في العنصريّة، إذن، هو ما يجعل فكرتَها ذاتَ خطر، وذاتَ أنيابٍ ومخالبَ. وإذا كان هذا السّياسيُّ ثابتاً فيها، بل مبدأً لقوّتها التّدميريّة، فهل ثمّة من علاجٍ سياسيّ لها، أو هل مثلُ هذا العلاج لها - إذا ما أمكنَ أمرُه - ناجعٌ أو يكفي وحده لاستئصالها أو حتّى للحدّ من آثارها التّدميريّة في أقلّ القليل؟
ما من شكٍّ، في أنّ للسّياسة (السّياسات) ما تقدّمه في هذا المسعى إلى جبْه العنصريّة ومغالبة أدوارها التّخريبيّة: إنْ كان ذلك داخل المجتمعات الوطنيّة، كلاًّ منها على حدة، أو داخل ما يسمَّى «المجتمع الدّوليّ». قد تتوسّل الدّولة سلاح القانون، مثلاً، بل في أفضل الأحوال، لمحاربة هذه الجرثومة الخطِرة التي تنخر جسم المجتمع بمقدار ما يستطيع النّظام الدّوليّ ذلك على صعيدٍ عالميّ أشمل.
وعليه، فإنّ من شأن إقرارِ منظومةٍ من القوانين التي تعاقب على إتيان العنصريّة قوْلاً أو فعلاً أن تردعها بوصفها انتهاكاً صارخاً للكرامة الإنسانيّة، وهذا ممّا يجري به العملُ في دولٍ كثيرة كما في النّظام الدّوليّ: وإنْ بقدْرٍ من الانتقائيّة وازدواجيّة المعايير في قسمٍ من الحالات. لذلك لا مهرب من البحث عن معالجاتٍ ثقافيّة عميقة للظّاهرة يبرّرها أنّ العنصريّة من حيث منشؤُها - كما مرّ معنا - ظاهرةٌ ثقافيّة شهِد عليها الاجتماعُ الإنسانيّ قبل أن تستحيل معضلةً سياسيّة تؤزِّم العلاقات داخل المجتمعات والبلدان وفي ما بينها.
يبدأ الاستئصال الثّقافيّ للعنصريّة من مدخلٍ تحتيّ هو التّربيّةُ على قيمة احترام الكرامة الإنسانيّة، والامتناعُ عن نَهْكِها أو الخدش فيها باسم أيّ مبدأ آخر قد يبرّر ذلك، وحسبانُ أيّ دَوْسٍ على تلك الكرامة عدواناً على الإنسانيّة وقيمها. الإنسانُ، في منظور هذا النّوع من التّربيّة، كائنٌ ذو حُرمةٍ ومكانةٍ في الوجود، وهو يعلو شروطَه التي يرتبط بها لأنّ الإنسانيَّ فيه يفيض عن كلِّ تعيُّنٍ نسبيّ.
الإنسان إنسانٌ بمعزلٍ عن «عِرقِه» ودينه ولونه وثقافته، وهو جوهَرٌ لا يتحدّد بهذه الأعراض (بلغة أرسطو) ولا تُغيِّر منه هذه شيئاً، لذلك احترامُه معدودٌ في جملة احترام الجوهر الإنسانيّ. أمّا التّربيّة على احترام كرامة الإنسان فأعلى مقاماً وقَدْراً من مجرّد التّربيّة على قيمٍ أخرى مثل التّسامح أو الحقّ في الاختلاف وما شاكل ذلك.
يتعلّق الأمرُ في هذا، إذن، بالحاجة إلى ثورة ثقافيّة شاملة ضدّ العنصريّة، ثورة تسخَّر من أجلها كلّ الأدوات والموارد المتاحة: التّربيّة الأُسْريّة، التّكوين المدرسيّ وبرامجه، البرامج الثّقافيّة والإعلاميّة: الرّسميّة والخاصّة... فضلاً عن التّجريم القانونيّ الذي ما من فائدةٍ تكون له إنْ لم يقع إنجازُ حلْقات التّثقيف والتّربيّة المشار إليها.
