في الشرق الأوسط، لا تأتي الطمأنينة دائماً مع المفاوضات. أحياناً، كلما اقتربت الأطراف من الطاولة، ارتفع صوت الصواريخ أكثر. لهذا، لا تبدو المنطقة وهي تراقب المسار الأمريكي - الإيراني وكأنها تنتظر اتفاقاً بقدر ما تنتظر معرفة أي إيران ستخرج من خلفه: إيران التي تتحدث عن التهدئة ورفع العقوبات، أم إيران التي تواصل الحديث عن مخزون الصواريخ ومنصات الإطلاق وكأن الحرب لم تغادر المشهد بعد.
هنا تحديداً، يطل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي معلناً أن القدرات الصاروخية لبلاده بلغت 120% مما كانت عليه قبل المواجهة الأخيرة. جملة واحدة تكفي ليشعر الخليج أن المشكلة لم تكن يوماً في الورق وحده، بل في المسافة بين ما يُقال على طاولة التفاوض، وما يُبنى بهدوء في مخازن السلاح وعلى أطراف الممرات البحرية الأكثر حساسية في العالم.
وبينما يلوح عراقجي بلغة الجهوزية الصاروخية، ينشغل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان برواية تفاصيل لقاء طويل مع المرشد استمر لساعتين، يتحدث فيه عن التواضع والقرب من الناس، فيما يخرج «مقر خاتم الأنبياء» لينفي استهداف المنطقة إبان وقف إطلاق النار، في تناقض مع وقائع عاشتها المنطقة إنذاراً واضطراباً وأضراراً مباشرة. هنا، لا تبدو المشكلة فقط في تناقض التصريحات، بل في تعدد «الإيرانات» التي تتحدث في اللحظة نفسها: إيران التفاوض، وإيران الصواريخ، وإيران الإنكار. والسؤال الذي يواجه الخليج ليس أي خطاب يبدو أكثر هدوءاً، بل أيها يملك القرار فعلاً عندما تصل المنطقة إلى حافة التصعيد.
في هذا المناخ، تبدو جهود إسلام آباد لإيران أقرب إلى محاولة إعادة ترتيب مسرح الحرب أكثر من كونها مشروعاً جاداً لتفكيك أسبابها. الولايات المتحدة تذهب إلى الطاولة بعين على اليورانيوم وأخرى على مضيق هرمز: كيف تضمن ألا تتحول الحرب إلى مواجهة نووية؟ وكيف تؤمن استمرار تدفق الطاقة والتجارة عبر الممر الأكثر حساسية في العالم؟ إيران تذهب بعين على العقوبات وأخرى على الأرصدة المجمدة، تسعى إلى متنفس اقتصادي يخفف ضغط الحرب الداخلية والخارجية، من دون أن تمس جوهر أدواتها في الإقليم: الصاروخ والوكلاء والممرات البحرية.
أما الخليج، الذي لم يدخل غرفة التفاوض بعد، لكنه دفع جزءاً من الفاتورة على الأرض، فعلى الرغم من أنه لم يكن طرفاً في قرار إطلاق الصاروخ الأول فإنه يقول: مشكلتي ليست فقط مع نسب التخصيب ومستويات الرقابة، بل مع سلوك إقليمي مستمر اختبره على حدودي وفي سمائي وفي وعي شبابي.
إيران، في صيغتها الراهنة، تتصرف كمن يريد أن يربح في كل الحقول معاً: تخفف وطأة العقوبات بـ «صفقة نووية - سياسية» ما، وتحتفظ في الوقت نفسه بمخزون صاروخي متنام، وبيئة من الأذرع ووكلاء السلاح والأيديولوجيا تمتد من شط العرب إلى المتوسط، ثم تنحدر جنوباً نحو البحر الأحمر، حيث لا تعود السفن مجرد حركة تجارة، بل جزء من خرائط النفوذ والرسائل المتبادلة.
المفارقة أن هذه الاستراتيجية، التي تبدو في ظاهرها ورقة قوة، تحمل في طياتها بذور ضعفها الاستراتيجي. فكل صاروخ يُطلق فوق الخليج، وكل تهديد لهرمز، وكل محاولة لفرض معادلات بالقوة، تدفع دول المنطقة خطوة إضافية نحو تنويع شراكاتها الأمنية والعسكرية والاقتصادية. تفتح الباب أمام ترتيبات بحرية جديدة، وتسرع التفكير في ممرات بديلة للطاقة والتجارة، وتغذي مطالبة متنامية بأن يكون أمن الخليج بنداً مستقلاً، لا ملحقاً في أي تفاوض مع طهران. بهذا المعنى، كل نقطة تُضاف إلى «مخزون ال120%» تقرب إيران من لحظة تجد فيها نفسها محاطة بجوار أكثر تشدداً، وتحالفات أكثر تعقيداً، وبيئة أقل قابلية لابتلاع سلوكها.
ربما تكمن أزمة طهران الحقيقية اليوم في أنها ما زالت تنظر إلى المنطقة بعقلية النفوذ أكثر من عقلية الجوار. فمن تحت عباءة المرشد، تتعدد الوجوه بين سياسي يفاوض، وعسكري يهدد، وأجهزة تنفي ما عاشته المنطقة على أرضها وشاشاتها، فيما تبدو الدولة نفسها وكأنها تستنزف أعوامها في إدارة التوتر أكثر من بناء الثقة. لكن الشرق الأوسط الذي تتحرك فيه إيران اليوم لم يعد هو نفسه قبل سنوات. فدول الخليج التي نجحت في تحويل الاستقرار إلى قوة، والاقتصاد إلى نفوذ، والشراكات إلى عمق استراتيجي، لم تعد قابلة للابتزاز بالقلق الدائم أو معادلات الصاروخ والممرات المائية.
لهذا، قد لا يكون السؤال الأهم أمام إيران في المرحلة المقبلة كيف تنجو من ضربة أمريكية أو تخفف وطأة العقوبات؟ بل كيف تستعيد الحد الأدنى من الثقة مع جوار خليجي بات يملك من أدوات القوة السياسية والاقتصادية والتحالفات ما يكفي لإفشال أي مشروع لا يرى في أمنه واستقراره أولوية حقيقية. ففي النهاية، لا تستطيع أي دولة أن تبني نفوذاً دائماً في منطقة فقدت فيها ثقة جيرانها، مهما امتلكت من صواريخ أو تعددت وجوه خطابها السياسي والعسكري.
