فرضت الحرب نفسها كالضيف الثقيل، على الحكومات والمجتمعات والأفراد، ونحن نعني الحرب الإيرانية، ويجب ألا يستنكر أحد وصفي للحرب بالملعونة، لأن كل الحروب ملعونة، بصفتها تحمل الدمار والقلق والموت وتعطّل الحياة، خاصة حين تكون الحرب، لا هي تحريرية ولا هي وطنية ولا هي ثورية ولا هي مصيرية.
وسأجازف بوصف الحرب القائمة حالياً في منطقة الخليج بين أمريكا وإيران بهذا الوصف، لأسباب عديدة وهي أن الحرب، بصورتها الحالية، لن تؤدي إلى نتيجة يُعتدّ بها، وإذا كانت كذلك في قمة دمويتها ووهجها، فإنها ليست كذلك بعد وقفها والدخول في مفاوضات، فالمفاوضات تُظهر يوماً بعد يوم عبثية الحرب، كما تظهر أن أهدافها التي بدأت بها هي ليست الأهداف التي وصلت إليها وتعلنها وسائل الإعلام، ويلاحظ أنها تتراجع شيئاً فشيئاً حتى أن البعض بات مقتنعاً بأن الولايات المتحدة، قد تنسحب بين ليلة وضحاها من المعركة من دون التوصّل إلى اتفاقية أو معاهدة ما.
ولديّ قناعة بأن القصف الجهنّمي أو «إبادة» إيران، أو حصار موانئها، لن يحقق أي هدف من أهداف الحرب، خاصة إذا اعتبرنا أن الهدف الرئيسي هو التخلص من تخصيب اليورانيوم، والصواريخ الباليستية (وهذه الأخيرة لم يعد يتحدث بها أحد). أما الأهداف الأخرى والمتمثلة بإسقاط النظام والقضاء على التطرف، والتعهّد بعدم مضايقة الجيران والتدخل في شؤونهم فهي أهداف لن تتحقّق، وقد تحدثنا سابقاً عن الفكر المهدوي، وعودة إمام الزمان ليخلص البشرية من الظلم والطغيان، وهي الأسس التي تقوم عليها الجمهورية الإسلامية في إيران، فكيف ستستطيع الآلة العسكرية التغلّب على هذا. ومحور حديثنا ليس هذا الكلام، وإنما ما يدور حالياً في السر والجهر عن مفاوضات، والتي قد تنتهي بطريقة هزيلة لا تتناسب وأثمانها.
فهل يعقل أن يدور الحديث عن فتح مضيق هرمز كموضوع مصيري؟ رغم أنه كان مفتوحاً وكانت تمر السفن منه بحرية، على ما أعتقد. أما الشرط الثاني فهو، رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية والإفراج عن أموال إيرانية في أمريكا. شرطان مستجدان خلقتهما الحرب، فأصبحا هدفين رئيسيين يمكن التفاوض حولهما. أما بقية النقاط فتراجعت.
ماذا يعني أن تطلب الولايات المتحدة من الدول التوجه إلى الولايات المتحدة لشراء النفط، وكما قال الرئيس ترامب «لدينا نفط كثير». هل هذا هو الحل المنطقي لإقفال مضيق هرمز؟ وهل هذا هدف أمريكي كانت تخطّط له قبل الحرب، (لبيع النفط الأمريكي!!). لن نغامر بالإجابة، ولكننا نعتقد أن هنالك أهدافاً أخرى غير المعلنة من وراء الحرب.
الإمارات العربية المتحدة، ورغم وقف إطلاق النار، تعرضت للعدوان بالصواريخ والمسيّرات، واستطاعت التعامل مع هذا العدوان بكفاءة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا الإمارات وحدها من يتعرّض للهجوم؟ وما معنى أن تتنصّل إيران من الهجوم، وتعلن عن سياستها التي تحترم الجيران. هل هذا هدف غير معلن للحرب أم أنه نتيجة صراع، وأعني بها إشعال حرب في المنطقة. وبما أن دول مجلس التعاون قد أبدت وقوفها إلى جانب الإمارات في بيان أكد أن المجلس يؤيد الإمارات في القرارات التي ستتخذها لمواجهة العدوان، ما يعني أن دول الخليج أو بعضها ستنخرط في الحرب مع إيران.
إن دول مجلس التعاون الخليجي، وإن كانت قادرة على التصدي أو المواجهة، إلا أنها لن تغامر بالدخول في صراع عسكري مع إيران، أو أي جهة أخرى، لأنها تعلم، وحكامها وحكماؤها يعلمون أن تغيير الثوابت الإيرانية لن يتم بالقوة العسكرية، فهي مسألة تعود للشعب الإيراني، لأنه المسؤول عن تقرير مصيره، فإما أن يعيش في دولة دينية أو يعيش في دولة مدنية، وإذا كان من عمل يمكن القيام به للشعب الإيراني فهو مساعدته على ذلك. فالنظام الديني الذي تجاوز عمره 45 عاماً لن يستسلم بسهولة، ولن يتغيّر بمجرّد حمل السلاح أو الدخول في حرب أهلية، لأن شظاياها ستصل إلى دول الجوار، وهذا ما لن تقبله الدول، ولن يصب في مصلحة أحد، فأقلّه، أنه سيزعزع الاستقرار في المنطقة.
إن دول مجلس التعاون أمام تحديات كبيرة حالياً، وعليها الاستعداد للسيناريوهات المحتملة، الأول توقيع اتفاقية بين إيران والولايات المتحدة، والثاني تجدد الحرب، وفي الحالتين، يُفضّل أن تكون حكيمة كعادتها، وأن تزيد من تعزيز التعاون فيما بينها، وأن تكون الحرب دافعاً لتحقيق الأمن الذاتي، سياسياً وعسكرياً. على دول المجلس التعامل بحذر مع نتائج الحرب أي مع بنود أي اتفاقية، فمن الواضح أن الولايات المتحد تغلّب مصالحها الشخصية على أي مصلحة أخرى، والأيام حُبلى..
