أوروبا أكبر داعم لـ"إسرائيل"

05:19 صباحا
قراءة 4 دقائق

تتمحور الفلسفة السياسية الأوروبية على المبدأ القائل بضرورة الارتفاع بالسياسة الدولية إلى مستوى إنساني يُسهم في بناء سياسة جديدة قائمة على تعاون حر بين أمم حرة . ولا ريب، فإن أوروبا القارية تبدو اليوم وكأنها تقوم برسم حدودها الفاصلة عن مناطق نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية المندفعة لفرض سيطرتها المطلقة على العالم، من دون أن تدرك أوروبا مكانتها كما أشار الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار من أن أوروبا أشبه ما تكون ببناية جرى تشييد طابقها الأعلى في القرن التاسع عشر، أما طابقها الأرضي فقد تم بناؤه في القرن السادس عشر . ولا خلاف أن غاستون قد أصاب في ما ذهب إليه، فالحقائق هي أن القوة لا الحق هي الضابط لإيقاف التجاوزات، وهذا الأمر يتجلى بأوضح صورة، عندما نرى أوروبا تقف مكتوفة الأيدي، وهي ترى إسرائيل تضرب عرض الحائط باتفاقية جنيف الرابعة المنظمة لتعامل الدولة المحتلة، وسكان الأراضي المحتلة، والسكوت عن رفض إسرائيل تنفيذ كل القرارات التي صدرت عن الأمم المتحدة بخصوص فلسطين والفلسطينيين، وبخاصة القرار القاضي بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم .

وانطلاقاً من هذه المواقف، قالت صحيفة ليبراسيون الفرنسية: إن الخطط الإسرائيلية الاستيطانية في كل من القدس والضفة الغربية أثارت عاصفة من الاحتجاج في أوروبا، ما تسبب في استدعاء السفراء الإسرائيليين في عواصم أوروبية عدة . فقد تم استدعاء سفراء إسرائيل لدى كل من لندن وباريس واستوكهولم إلى وزارات الخارجية بتلك الدول المضيفة، لإبلاغهم باستياء وقلق هذه الدول من مشاريع توسيع المستوطنات . وبالطبع لم تهتم إسرائيل بهذا الاستياء الأوروبي، بل تابعت مخططاتها، لإنهاء القضية الفلسطينية بالكامل من خلال العامل الديموغرافي القائم على تعزيز وجود اليهود، وغير اليهود من الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية في مستوطنات متفرقة في أنحاء الضفة الغربية .

وما يثير الدهشة والاستغراب أن الدول الأوروبية ذاتها التي استدعت سفراء إسرائيل لديها، هي أكبر داعم وحامٍ لإسرائيل منذ نشأتها العام ،1948 ففي العام،1950 أصدرت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا إعلاناً مشتركاً ينص على أن هذه الدول الثلاث ستقف في وجه أي عدوان على إسرائيل في الشرق الأوسط، أما إذا قامت إسرائيل بالعدوان فهذا أمر لا مشكلة فيه . ومن هذا المنطلق شاركت إسرائيل مع بريطانيا وفرنسا في العدوان الثلاثي على مصر العام ،1956 ولولا أن الولايات المتحدة لم تكن آنذاك راضية بأن تعود بريطانيا وفرنسا إلى لعب أدوار كبيرة في الشرق الأوسط، لكانت مصر قد سقطت أمام المعتدين، ولكانت إسرائيل حققت نصراً لا تحتاج بعده إلى نصر، لكن مع ذلك، وللتعويض عن هذه الخسارة، سمحت الولايات المتحدة لإسرائيل بالعدوان العام 1967 على مصر والأردن ولبنان وسوريا معاً، واحتلت مساحات من الأرض تفوق مساحتها آنذاك أضعافاً مضاعفة . واستمرت الدول الثلاث (الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا) في احتضانها لإسرائيل ولمشروعها العدواني في المنطقة، ولم تقدم هذه الدول للشعب الفلسطيني إلا الفتات، وهذا ما تجلى مؤخراً في السماح لما يسمى بدولة فلسطين أن تصبح عضواً مراقباً في الأمم المتحدة، لكن كيف يمكن لدولة أن تقوم وليس لها سيادة على أرضها؟ إن إسرائيل مستمرة في الاستيطان، وهي لا تخشى أحداً، ولا تُسأل من أحد، ودعاة المفاوضات في السلطة الفلسطينية يلوحون بالذهاب إلى محكمة الجنايات الدولية لمحاكمة قادة المجازر الإسرائيلية الذين سفكوا دماء الآلاف من الشهداء الفلسطينيين، وإذا تمكنت هذه المحكمة من إدانة هؤلاء القادة الصهاينة، فسوف تصدر مذكرة اعتقال بحقهم، لارتكابهم جرائم ضد الإنسانية .

لقد رأينا كيف استغل الغرب محكمة الجنايات الدولية ضد السودان، فقد صدرت عن هذه المحكمة مذكرة اعتقال بحق الرئيس السوداني، وكان المدعي العام للمحكمة يخرج كل يوم تقريباً بتصريح يدعو فيه إلى اعتقال الرئيس عمر البشير في أي دولة يزورها، وحوصر الرئيس السوداني، لكن بعد أن نال الجنوب الاستقلال تلاشت مذكرة الاعتقال، وانتهت تلك القضية ضد الرئيس السوداني، وكأن هذه الملاحقة كانت نوعاً من المساومة الرخيصة حتى يمضي استقلال الجنوب بأمان . ومن هنا، يمكننا القول، إنه لا يمكن أن تطول سهام الاتهام أي مسؤول إسرائيلي مهما كان صغيراً، أما مسرحية استدعاء السفراء في تلك الدول الأوروبية، فهي لا تنطلي إلا على الجاهلين بحقائق الصراع بين العرب وإسرائيل . وهذا ما أثبتته الوقائع على مرارتها، ف إسرائيل استمرت بمخططها الاستيطاني، كما فعلت من قبل، وكأن شيئاً لم يحدث، ولأنها تعلم أن ما تقوم به الدول الأوروبية الداعمة لها ما هو إلا حركات استعراضية لذر الرماد في عيون العرب، وخاصة أولئك الفلسطينيين الذين مازالوا مقتنعين بأنهم عبر الحوار والمفاوضات سيحصلون على دولة مستقلة، لكنهم في حقيقة الأمر سوف ينتظرون طويلاً، ولن يتمكنوا من استعادة زيتونة واحدة، ولا شبر واحد من الأرض التي احتلتها إسرائيل عبر تاريخها العدواني الطويل . فهل نتعلم من التاريخ؟

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"