ينتاب المصريين إحساس متزايد بخطر داهم . أعرف زملاء وأصدقاء ومواطنين كثيرين يعبّرون عن هذا الإحساس بكلمات أخرى مثل القلق والخوف والتشاؤم . ويزداد الإحساس مع كل حادث أو كارثة من صنع الطبيعة يضاعف عواقبها والآلام الناتجة عنها إهمال أجهزة الإدارة وارتخاء الشعور بالمسؤولية وفساد متفاقم يتحدى القيم والمجتمع بقسوة . لم تخفف من هذا الإحساس المتزايد بالخطر الدائم، إن لم تزده، محاولات تجربها وتنفذها عقول حزبية أو أمنية متدربة على إلهاء الناس بقصص وشائعات عن جرائم فساد وسرقات ورشى وفضائح جنسية، أو جنايات قتل وتهريب لا تلبث جميعها أن تسدل عليها أستار كثيفة فلا تعود تُرى أو يُسمع لها صوت .
ما لا يعرفه المسؤولون عن نشر الإحساس باقتراب الخطر ومشاعر القلق والخوف وسحابة التشاؤم، أو يعرفون ولن يقرّوا، أنهم تجاوزوا وتجاوزنا معهم المدى . دليلنا على ما نقول هو السرعة المذهلة التي انتشرت بها مشاعر الفتنة وممارساتها في هشيم مجتمع جفت مفاصله وتجري في كثير من عروقه دماء فاسدة وأوشكت طاقته على النفاد، وبدا فاقداً القدرة على النهوض من كبوته، أو لعله غير راغب .
تجاوزوا وتجاوزنا المدى منذ اللحظة التي هيمنت فيها الغوغائية على خطاب معظم القيادات التنفيذية والتشريعية، أي منذ اندمج في خطاب واحد الخطابان المصريان: خطاب وسلوكيات نسبة متعاظمة من أفراد النخبة من مثقفين ومفكرين وحزبيين ودبلوماسيين وإعلاميين، وخطاب وسلوكيات الغوغاء من بلطجية ومسجلين خطرين ومتشردين وأطفال الشارع .
قضيت، مع أصدقاء، بعض يوم نستمع فيه إلى تسجيلات لمداخلات تلفزيونية وإذاعية وفي مؤتمرات صحافية وأحاديث مناسبات افتتاح وتدشين وغيرها، لنكتشف في النهاية أن السادة المتحدثين، وبخاصة الناطقين باسم الحزب الحاكم أو باسم حكومة الحزب، يستخدمون بتعمد واضح وصياغات ابتزازية عبارات تفوح منها رائحة الاستعلاء والاستهانة والاستهزاء والسخرية كلها معاً . لا شيء، وأكرر، لا شيء على الإطلاق، يبرر اللجوء إلى عنف اللهجة وفساد الكلمة وعلو الصوت وافتعال الشجار والمزايدة على الوطن والمواطنة والوطنية والتدثر بالأمن القومي، إلا ضعف الحجة وصعوبة مداراة فضائح الفساد وهول الاعتراف بالعجز والفشل في إدارة شؤون دولة مشكلاتها عادية ومجتمع قنوع لا يطلب أو يطالب بالكثير .
أتمنى أن تصدق توقعات المتفائلين بأنه في يوم من الأيام سوف تختفي هذه العيّنة من النخبة صانعة الرأي والسياسة في مصر، ومع اختفائها ستختفي هذه الممارسات، ويعود للنخبة ما تستحق من احترام وتقدير المواطنين . ولكن أكثر من دليل يقوم الآن ليؤكد أن الشباب العامل في السياسة والإدارة أو المتعامل معهما صار يستخدم هذا الخطاب الغوغائي ويمارس بكل الرضا سلوكيات الغوغاء، لقد رأينا على الطبيعة وعلى شاشات التلفزيون أساتذة وقادة رأي كانوا ذات يوم يتحملون مسؤولية الكلمة الراقية والعلم الرصين والرقي الأصيل في الجامعات وأجهزة الإعلام، عرفناهم قبل أن نراهم يباشرون مهمة قيادة عمليات إرهابية مسلحين بمفردات الخطاب الغوغائي . من بين هؤلاء الشبان والشابات سيخرج من يتصدرون صفوف النخبة الحاكمة والقائدة في مصر، وسيكون صعباً عليهم تغيير ما تعلموه من قدوة وقيادة لازمتهم ولازمتنا مدة طويلة . وهكذا يتولد الإحساس بالخطر الداهم .
أمامنا، في هذه اللحظات تحديدا المثال بل الإنذار الأخطر، إذ إنه حين يتدنى الغوغائيون بمكانة الأمن القومي المصري، أحد أهم أركان الحياة على أرض مصر وحامي وحدتها، إلى مستوى الخطاب الغوغائي وسلوكياته، لا بد أن يزداد إحساسنا بالخطر الداهم . أفهم أن تطرح قضية إقامة الجدران الاستراتيجية على جزء من حدودنا الشرقية بخطاب يليق بقضية أمن قومي، وأن نناقش سلبيات إقامة هذه الجدران وإيجابياتها إن وجدت هذه أو تلك، وأن نكرر بكلمات محسوبة ومسؤولة ما ورد في خطاب رئيس الدولة، أما أن نهين أمن البلاد ونجعله مادة للشد والجذب بين من يفهم ومن لا يفهم، أو من يحرص حقيقة على أمن مصر ومن يهمه بالدرجة الأولى مصلحته الشخصية، وبين من يقارع بالحجة والمنطق ومن ينازع بالصراخ أو بسلاطة القلم واللسان، وإن كان الثمن في النهاية فتنة بين شعبي مصر وفلسطين اتسعت لتصبح فتنة بين شعب مصر وشعوب كثيرة في العالم . وفي النهاية، قامت جدران لم يقتنع مواطنون كثر بأن هدفها الوحيد أمن هذا الجانب من الحدود، كأمر مستقل عن منظومة أمن إقليمية ودولية أوسع بكثير من قضية أمن مصر وحدها . هذا الهدف، قد يكون هدفاً مشروعاً ومبرراً في حد ذاته بالنسبة للمستفيدين منه، إلا أن طرحه بالصورة التي طرح عليها أساء إلى مكانة مصر الإقليمية وأضاف إلى اتساع فجوة الثقة داخل مصر، وتعمقت القطيعة بين حكومة مصر وشعوب المشرق العربي التي هي في النهاية خط الدفاع السياسي وربما الاقتصادي الأهم عن أمن مصر القومي . هذا ما كان يردده حماة الأمن المصري عبر التاريخ وهذا نفسه ما يرددونه حتى اليوم بعيداً عن مكبرات الصوت وآذان الغوغائيين من قادة الرأي . ليس بالغوغائية والمسجلين خطرين وأطفال الشوارع وصغار الموظفين تتعامل الدول مع قضايا أمنها القومي، فالأمن القومي لأي دولة إن وصلت إليه ودنسته غوغائية في الخطاب السياسي والإعلامي انتفت أسباب وجوده وهبط من علياء مكانته وتخبط في الفوضى، مصيباً بالضرر الجسيم المؤسسات المكلفة بحمايته وتأمين سلامة الأمة ومواردها الحيوية .
لا شك في أنه يوجد في مصر من يستطيع بوسيلة أو أخرى إقناع المسؤولين عن الخطاب الغوغائي في السياسة المصرية بالتوقف عن تعريض الأمن القومي المصري للخطر قبل فوات الأوان، وإقناعهم أيضاً بضرورة الارتفاع بمستوى مناقشة قضايا الأمن إلى مستوى يكسب الأمن القومي ما يستحقه من احترام الدول والحكومات الأخرى . لا يمكن، ولا يجوز أن يتجاهل المسؤولون عن أمن مصر القومي الخطر الداهم الذي يهدد البلد بأكمله ومستقبله نتيجة التسيب أو الديماجوجية السائدة في نمط التعامل مع قضية الفتنة الطائفية أو مع قضية الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية ومبادرات إدخال تعديلات دستورية، أو وضع دستور جديد والدعوات إلى وقف انهيار المؤسسات وتخبط السياسات وتدهور مكانة مصر الإقليمية وطرح ضرورة رفع كفاءة القائمين على إدارة علاقاتها الخارجية .
نخشى أن نرى يد الغوغائية تمتد إلى قضية مستقبل السودان، كما امتدت إلى قضايا مياه النيل والعلاقات مع إثيوبيا وتركيا وإيران، أو نراها تستمر في التعامل مع قضايا التوسع الإسرائيلي والعجز العربي الفادح واقتراب الشرق الأوسط من خط النهاية، حيث لا ندم ينفع ولا طريق للعودة ولا مكان للانتظار .
يجوز الاختلاف حول كل هذه القضايا ويجوز طرح الاختلافات ومناقشتها بكل شفافية وموضوعية، ولكن، رجاء، من دون غوغائية في الخطاب وإرهاب في الكلمة واستهانة بالذكاء . لا سبيل آخر، غير هذا السبيل، لوقف إحساس أهل مصر المتزايد بالخطر الداهم على أمنهم القومي .
acdfr@yahoo .com