لا أذكر يوماً خلال سنوات النضج كنت فيه عاشقاً لنظرية أو أخرى من نظريات التطرف والخرافة والتآمر السياسي ولا باحثاً عنها، وفي الوقت نفسه لا أذكر أنني كنت إذا فوجئت بواحدة منها أهملت متابعتها والتحقق من مصادرها ودوافعها ودراسة آثار ما صنعت وخلَّفت.
عشنا خلال هذا الأسبوع أياماً لم تفارق أذهاننا فيها سيرة الرئيس دونالد ترامب، لا جديد في هذه المقولة فنحن نعيش شهوراً لا تغيب عنا للحظة صورة ولا صوت الرئيس الأمريكي، وإن غاب أيهما لسبب أو آخر لاحقتنا من على البعد أو القرب أخبار تنقلاته، والأهم من تنقلاته، نصوص تصريحاته وإبداعاته الكلامية، وخصوصاً ما يتعلق منها بملاحمه الحربية وعلاقاته الشخصية بزعماء دول عظمى وصغرى، وبمن اختار من الصحفيات والصحفيين المعتمدين لدى البيت الأبيض ليصب عليها أو عليه جام غضبه وأسوأ ما في مستودع الصفات المهينة.
لا جدال أننا كنا خلال الأسابيع الأخيرة نعيش في أجواء سياسية إقليمية شديدة السخونة، والسبب فيها اختيار الرئيس ترامب وتفضيله «الحرب الدائمة» أسلوب عمل وعنوان الولاية الثانية له في حكم الولايات المتحدة، القطب الأعظم في النظام الدولي.
لم ينتبه الرئيس إلى أن التوسع بالاعتداءات المسلحة ضد دول صغيرة مثل فنزويلا وبنما وإيران أو أقاليم تخضع لسيادة دول حليفة مثل غرينلاند أو التوسع بالإيحاءات والدعاوي التاريخية والنواحي الجغرافية مثل الحملة المخططة من جانبه من أجل انضمام كندا إلى الولايات المتحدة كولاية إضافية، أقول لم ينتبه الرئيس إلى حقيقة أن حال الانحدار الذي تمر فيه الولايات المتحدة منذ عقود أفرز تداعيات تصب جميعها في ميل شعبي أمريكي لرفض الحرب، ورفض سياسة دعم إسرائيل بلا حدودٍ أو ترددٍ.
جاءت الليلة التاريخية، ليلة اجتماع الرئيس الأمريكي بممثلي الصحافة الأمريكية في حضور كبار شخصيات الدولة وشركاتها وجامعاتها، جلست أمام الشاشة متأهباً مثل أصدقاء أعرفهم، أرى أمامي القاعة وقد جلس الرئيس وزوجته ونائب الرئيس والوزراء وغيرهم على المائدة الرئيسية المطلة على القاعدة من علٍ.
رأيت وتابعت الهرج والمرج، وكأنه أمر واقع ومتوقع، لفت نظري سرعة دخول الجنود المسلحين إلى القاعة وكلهم بملابس ميدان غريبة على مرتادي مثل هذه المؤتمرات، لفت نظري أيضاً أن بعضهم كان يتحرك كما لو كان في عرض تدريبي مدروس ومألوف وليس كحال وجود عناصر إرهابية تهدد حياة أعضاء الجهاز الحاكم، رأيت رجال الخدمة السرية وهم يتقافزون حول الموائد يدفعون الرئيس للخروج من الباب المؤدي نحو الموقع الذي جاءت منه أصوات ما يشبه أصوات الرصاص، بينما وجدت أبواباً أخرى تؤدي إلى جهات ربما أقل خطورة.
لاحظت الارتباك ولم أجد تفسيراً في تلك اللحظة سوى أننا نعيش جميعاً في حال ارتباك منذ يوم تولي الرئيس الأمريكي مقاليد الحكم، بل وارتباك أيضاً في واشنطن أمام المشهد المتكرر لإقالة وزيرة بعد أخرى أو بعد آخر، راعني في النهاية أن لا هلع في القاعة ولا ولع، ربما هناك ضيق لأن برنامج الحفل لن يكتمل.
أيقظني قرب الفجر الهاتف الراقد بجواري لأستمع إلى صوت زميلة من الصحفيات المتمردات تنقل لي القناعة السائدة بين جماهير الصحفيين وبخاصة ممثلي قطاع الكوميديين الساخرين والقريبين من المسؤولين عن دوريات السياسة الخارجية، قناعة بأن الجانب الحرج من الحفل نظمته جهات أمنية موثوق بها على علاقة وثيقة بالأجهزة الأمنية الإسرائيلية.
استمعت إلى الرسالة يقظاً ومنتبهاً خاصة وأن التقديرات الأولية ذهبت في أغلبها لتؤكد أن الرئيس أراد سد ثغرة في شعبيته المتدهورة، أو أنه تلقى تحذيراً مؤكداً وواثقاً بأن الخسارة في انتخابات نوفمبر محققة، أو أنه لن يحصل على المال المطلوب لاستكمال إقامة صالة الرقص العظمى وقوس النصر الأكبر في العالم اللتين بإنشائهما يخلد اسمه بعد أن فشل في إقناع أحد باستحقاقه نوبل للسلام.
إن صح ما يتردد بين بعض الصحفيين والدبلوماسيين بأن الولايات المتحدة تتدحرج نحو ورطة، وإن صدقت تجاربنا مع واشنطن خلال العقود الماضية وتأزمت أحوال أمريكا، سنكون جميعاً في ورطة أشد مما نحن فيه.
يستعد الأمريكيون للاحتفال بمرور قرنين ونصف القرن على إعلان استقلال الولايات المتحدة. يسبق هذا العيد مناسبات أخرى تستحق أيضاً أن يتفرغ الرأي العام الأمريكي للاستعداد لها وهو مرتاح نفسياً واقتصادياً وسياسياً. نحن أيضاً، وأقصد جمهرة صناع الرأي، أمريكيين كنا أم أجانب، نشعر بأن واجبنا يحتم علينا أن نساهم في هذه الاستعدادات. اخترت شخصياً أن أستعد بعمل حصر ابتدائي بمجمل الإنجازات التي حققتها الولايات المتحدة ومجمل الإخفاقات التي وقعت نتيجة أعمال من أطراف أجنبية ومن مسؤولين أمريكيين ومؤسسات داخلية.
لا يغيب عن بال باحث متمرس مكلف بمثل هذا العمل حقيقة أن سكان الولايات المتحدة عاشوا ويعيشون في «محمية طبيعية»، دولة في حجم قارة يحميها من الشرق محيط ومن الغرب محيط آخر، ومن الشمال كندا، الحليف الطبيعي أيضاً والمنطقي، ومن الجنوب قارة أخرى من دول اعتبرت نفسها من توابع الدولة العظمى
يحسب لهذا الكيان المحصن أنه سمح لأكثر من عشرين دولة في أمريكا الجنوبية بأن تستقل وتعيش مستقلة لقرنين مستفيدة من نظام الحماية الإجبارية الذي فرضته الولايات المتحدة عليها.
يحسب للولايات المتحدة أيضاً أنها تدخلت مرتين لتنهي حرباً عالمية ناشبة لسنوات ومتسببة في خسائر بشرية ومادية هائلة، خرجت من الحرب العالمية الأولى وفي نية حكامها الانعزال تحت ضغوط الرأي العام، وخرجت من الحرب العالمية الثانية، وفي الواقع لم تخرج منها، إلا وقد وضعت الأساس لبناء منظومة دولية بقواعد عمل وسلوك لازمة لتحقيق السلم والأمن الدوليين والمحافظة عليهما. تحسب لها هذه الأعمال كإنجازات مهدت لانسحاب الاستعمار التقليدي من مناطق الجنوب ونشأة عشرات من الدول المستقلة والنهاية الفعلية لأدوار التوسع والسيطرة التي مارستها الإمبراطورية البريطانية ثم الفرنسية.
مثلاً يحسب على الولايات المتحدة أنها تدخلت عسكرياً من دون مبرر معقول في دول عربية وإسلامية متسببة في إطلاق مرحلة من عدم الاستقرار مستمرة إلى يومنا هذا، ولا يوجد مؤشر واحد يشير إلى أن أمريكا تفكر في تعويض هــذه الــدول عما فقـــدت أو مساعدتــــها في استعادة ما هدمت بقنابلها ووحشية بعــض جنودهــا. كثير من الأعمال العنيفة التي شهدتها المنطقة العربية خلال الأعوام السبعين الماضية تتحمل أمريكا جانباً كبيراً من المسؤولية لكونها الدولة العظمى التي قدمت لإسرائيل منذ نشأتها السلاح والخبرة والحماية الدولية.
نستطيع مثلاً أن نقرر أن أمريكا، في عهد الرئيس ترامب، دمرت حلف الأطلسي وأساءت أيما إساءة إلى الحلف الغربي عامة. لن نغفل عن حقيقة مهمة وهي أن الغرب عموماً يشهد منذ فترة ليست بالوجيزة انحدار الغرب كجماعة حضارية، ربما لأسباب اقتصادية وربما كحالة نسبية تتعلق ببعث جديد للحضارة الآسيوية.
نستطيع أن نقول أيضاً إن أمريكا في العهد نفسه تشوهت سمعتها وساءت مكانتها بسبب الفساد العـــارم والمكشوف الذي تمارسه النخبة الحاكمة في الإدارة الراهنـــة، كذلك بسبـــب ميلهـــا للتسلط. أهملـــت فقــراء أمريكا على مرأى من جميع فقراء العالم وأمام أستار من صمت أغنياء يزدادون غنى بتوحش وجشع.
عادت أمريكا، في ظل الإدارة الجمهورية الراهنة، تبذر بذور الغضب في مختلف دول أمريكا الجنوبية، وأهانت حكامها وشعوبها عندما شنت حملة طرد المغتربين من المتحدثين بالإسبانية، وتكرار استخدام الرئيس ترامب صفة المجرمين وتجار المخدرات لوصف المهاجرين من دول أمريكا الجنوبية، أضـــف إلـــى ما سبق حملته البحرية لاحتلال فنزويلا دون استشارة منظمة الدول الأمريكية واختطاف رئيسها وإعلان نفسه رئيساً محله قبل أن يعود فيعين نائبة مادورو رئيسة من دون صلاحيات بعد ترتيب الاستيلاء بأساليب استعمارية على كل إنتاج فنزويلا من النفط الخام.
في حربه الكلامية ضد إيران استخدم عبارات شديدة التأثير وعنيفة من نوع «محو إيران» أو «تدمير الحضارة الفارسية» أو «قصف جميع مصادر الطاقة والمياه».
أعترف بأنني أتطلع لقراءة، ولا أقول الاستماع إلى، خطاب الرئيس ترامب يوم الاحتفال بعيد استقلال أمريكا في اليوم الرابع عشر من يوليو، أتطلع لما سيقوله فيدينه.
واضح لي إلى حد كبير أن الأزمة العالمية الراهنة تواصل تطورها أو تدهورها لتنتهي قريباً جداً في وضع دولي جديد يتحقق فيه نوع من الاستقرار، بعد أن غاب الاستقرار لزهاء ثلاثين عاماً أو أكثر. ما نعرفه، أو نقدره، عن الأزمة الراهنة أنها تبدو وقد أنهكتها الأحداث والحروب. تبدو كما لو أنها صارت أقرب إلى نهايتها منذ أن وصلت مختلف أبعادها إلى درجة من النضج كافية للانتقال بالنظام الدولي من حال الفوضى العارمة إلى حال الاستقرار أو إلى ما هو أشبه به. نعلم أن البعد الأمريكي الذي نفرد له أكثر هذه السطور ليس إلا واحداً من أبعاد ليست قليلة، تسهم منفردة ومجتمعة في تعميق حال الاضطراب السائدة.
أما الأبعاد التي أقصدها وأعتبرها فاعلة في صنع هذا الاضطراب فهي بدون ترتيب خاص أو متعمد من ناحيتي:
* أولاً: أمريكا، القطب المرتبك في ممارسة الهيمنة في أشد مراحلها صعوبة وتعقيداً، وسوف أعود إليه ببعض التفصيل بعد قليل.
* ثانياً: الصين وروسيا القطبان الساعيان إلى تحقيق انتقال هادئ للقمة الدولية من وضع هيمنة القطب الواحد إلى وضع تعدد الأقطاب أو إلى وضع أشبه ما يكون بحال توازن القوى، وما زلت أؤكد، اليوم قبل الغد، حرصهما المشترك على أن يتم الانتقال من دون حرب عالمية فيكون سابقة فريدة في نظريات التحول في نمط القيادة الدولية على امتداد قرنين على الأقل.
* ثالثاً: الشرق الأوسط، الإقليم الذي يحل بجدارة وبالتدريج محل الإقليم الأوروبي وشهرته في التاريخ، كما نعلم، أنه الإقليم صاحب الحروب الدائمة والمصدر الأساسي لمختلف نظريات علم السياسة والقانون الدولي والصراع. سوف يذكر التاريخ أن الشرق الأوسط اشتهر في أواخر مراحله (هي التي نعيشها الآن) بأنه صار أشبه بمقبرة خصصت لدفن القانون الدولي وقوانين أخرى كثيرة صنعتها حضارة الغرب خلال صعودها وقبل بدء أفولها.
* رابعــاً: بـزوغ كتلة، أو مجموعة، الجنوب من دول صاعدة اقتصاديـاً وسياسيــــاً تسعى إلى تنسيق الضغوط لصالح السلم العالمي ولفائدة برامج تنميتها وتأمين صعودها.
* خامســاً: اجتمــاع عديد المشكــلات الاقتصاديـة والاجتماعية وبشكل حاد على كافة المستويات، مستوى دول القمة كما على مستويات دول الجنوب.
* سادساً: أوروبا مهد حضارة الغرب وحامل مشاعل نهوضها صارت حملاً لا تحتمل حمله الولايات المتحدة.
يهمني في اللحظة الراهنة وبشكل خاص مناقشة الدور الذي يؤديه البعد الأول، وأقصد أمريكا في وجود الرئيس دونالد ترامب لاعباً أساسياً. إلا أنه يجب التأكيد سلفاً على حقيقة أن حال انحدار أمريكا من موقع القوة المهيمنة والأقوى سياسياً واقتصادياً وعسكرياً إلى موقع أدنى لم تتحدد معالمه بعد بالدقة اللازمة، هذه الحال بدأت تفرض نفسها منفصلة عن مرحلة وصول ترامب إلى سدة الحكم وتسبقها، لكنها بالتأكيد عززت انحدار الغرب كجماعة حضارية.
أضف إلى كل ما سبق استخدامه أسوأ ما في اللغة من ألفاظ تمس بالإهانة أو بنية الغدر رموزاً دولية مثل حلفائه الأوروبيين ثم قداسة بابا الفاتيكان ثم شعائر أديان أخرى.
خرجت الصين، أو قد تخرج خلال أيام، ومعها روسيا بمشروع لإنقاذ العالم من ويلات حرب عظمى. أعتقد أن الصين بالذات تخرج إلى العالم مزودة بحكمة أنضجتها تجاربها الخاصة مع الاستعمار الغربي، وهي تجارب أشهد شخصياً بأنها كانت أليمة، وتجاربها الأحدث كدولة عظمى على طريق «القطبية». هذه التجارب مع تجارب روسيا كقطب سابق ودولة عظمى كفيلة بأن ترشد زعماء هذه الدول إلى خطة لبناء نظام دولي جديد ينشد التعاون بين الأقطاب وبينهم وبين دول الجنوب.
سوف يتعين على كل من روسيا والصين المساعدة على إخراج النخبة الحاكمة في أمريكا من عقدة الضعف ومن حال الابتزاز التي تعيش بدورها فيها. للأسف لا تبدو الخريطة الراهنة للنخبة الأمريكية والقوى الضاغطة عليها مشجعة ليخرج عنها منظومة قواعد عمل تليق بنظام دولي جديد.
حقاً، أخشى أننا قد لا نشهد نهاية سريعة للمرحلة الصعبة التي نعيشها وإن كنا نحلم باقتراب نهايتها.
مثل كثيرين غيري من أقران مرحلة المراهقة عشت خلالها أمارس أحلام اليقظة، مارستها إلى حد الإدمان لأمتنع عنها في مرحلة الدراسة الجامعية. دارت معظم أحلام تلك المرحلة حول السفر في رحلات بعيدة، وبخاصة أوروبا وآسيا، بعد أن كنت قد استهلكت فرص السفر في رحلات داخل مصر ورحلات خارجية اقتصرت على ثلاث دول جارة أولها فلسطين، وجدير بالإضافة هنا أننا كمجموعة في فريق للجوالة في غزة حاولنا التلصص على سكان إحدى المستوطنات فوقعنا في الأسر الإسرائيلي في سجون فلسطين المحتلة. ثاني الدول التي زرتها في هذه المرحلة السودان وثالثها المملكة الليبية.
في كل تلك الرحلات، ما تحقق منها في سن المراهقة وما بقي يتردد في أحلام يقظة متناثرة، كانت الجبال محل الاهتمام. أشبعت بعض الشغف بالتوقف لساعات أتأمل في جمال وخضرة الجبل الأخضر، الاسم الذي عرفت به سلسلة جبال ولاية برقة في شرق ليبيا. أشبعت بعضاً آخر بيوم قضيناه في منطقة جبال النوبة في ولاية كردفان بجنوب السودان. أشبعت بعضاً في الهند مثلاً وفي إفريقيا، ولكن التطلع لرحلة في أوروبا من أجل جبال الألب.
كانت إيطاليا أول من قدمني لجبال أوروبية. عشت مراهقتي أحلم بالألب، لم أكن أعرف أو أتصور أن في أوروبا جبالاً أخرى بروعة وجمال وشموخ الألب.
لماذا أوروبا؟ ولماذا ألمانيا بشكل خاص. المصريون شعب بمزاج أوروبي. المصريون الذين أعنيهم هم الطبقة المتعلمة في ذلك الحين، هم الذين تصدوا للاستعمار الإنجليزي وبعضهم تعلم على أيدي معلمين إنجليز، أنا نفسي كنت في الرابعة ثانوي عندما كان يعلمني التاريخ أستاذ إنجليزي. أمريكا لم تكن يوماً في ذلك الحين جزءاً من أحلام المصريين. أظن أننا لم نكن نعرف عنها إلا القليل. أمريكا كانت سينما وموسيقى وغناء ورعاة بقر والدولة العظمى التي تريد وتضغط علينا لنسمح لها بإقامة قاعدة عسكرية والانضمام لحلف مركزي للشرق الأوسط.
لم يكن الاحتلال البريطاني لمصر مجرد صفحات في الكتب المدرسية عن مرحلة ولت. كان كياناً حياً ملموساً نعبر أمام ثكناته العسكرية في طريقنا إلى النزهات الأسبوعية إلى حدائق الجزيرة على الطرف الآخر من النيل.
أعود إلى حلم ركوب الألب في أوروبا التي كنا نحبها وأظن أننا، وأقصد أبناء جيلي، كنا نشفق على شعوبها التي عانت قروناً من حروب، لا تتوقف واحدة إلا وقد بدأت أخرى. اكتملت الظروف وكذلك الاستعدادات. سبقتني زوجتي مع الطفلين سامر ونسرين إلى فيينا لزيارة الأهل، وأعرب زميلي بالسفارة سامي ثابت، وقد عملنا معاً في سفارتنا بالهند، عن ترحيبه بمرافقتي في رحلة أزمع القيام بها وبالسيارة إلى فيينا والعودة مروراً بدول ومدن كثيراً ما كانت تهف على أحلامي أو عبوراً منها إلى دول أخرى مثل المجر وبخاصة بودابست عاصمتها الجميلة والدانوب الذي يتوسطها بدلال وأناقة.
إن نسيت فلن أنسى، أنه خلال إحدى إقاماتي المتكررة في فيينا، دعيت لزيارة محل هو ما بين المقهى والمطعم البسيط يطل على مدينة فيينا من فوق قمة تل أخضر، قمة تزينها دفقات من سحابات منخفضة، هناك تناولت مع القهوة المحلاة بالحليب قطعة من فطيرة تفاح لعلها كانت الأطيب بين كل القطع التي تناولتها في رحلات امتدت لتشمل عديد المقاهي المتناثرة في مرتفعات مررنا بها أو صعدنا إليها في سويسرا وفي ألمانيا وفي التيرول بإقليميه النمساوي والإيطالي.
فيينا لها في قلبي مكانة خاصة وفي عقلي أيضاً. أتصور أن أي سطور أكتبها عن أوروبا وجبالها وتاريخها وحكاياتي الشخصية فيها أو عنها، لن أفي فيينا حقها كاملاً إن لم أبدأ هذه السطور وأختمها بشطر من بيت في أغنية شدت بها أسمهان قبل أن أولد بعشر سنوات أو أكثر، لعلها الأغنية التي مع عوامل أخرى ساهمت في صنع اهتمامي منذ الصغر بفيينا الأصل قبل أن تصير رمزاً بثقافتها وفنونها وقصورها ومقاهيها. تقول أسمهان في هذا الشطر من أغنيتها «دي فيينا روضة من الجنة».
أما وقد بلغت أعلى مراتب العمر وأروعها أظن أنني صرت أقدر من أي وقت مضى على أن أصدر أحكاماً لا غبار عليها ولا ممالأة فيها ولا خوف منها. أعني الأحكام التي تخص أي شيء باستثناء السياسة. ففي السياسة انحياز لا مفر منه. أما عن أعلى مراتب العمر وإسباغ صفة الروعة عليها فالقصد من ورائهما التعبير عن قيمة توصلت إليها، أو توصلت لي، بعد عقود شهدت معي مختلف التجارب الإنسانية. شهدنا معاً حروباً وسلاماً، برودة ودفئاً، صداقات وعداوات. عشنا معاً نمارس أو يمارس ضدنا الصدق حينا والكذب حيناً آخر، ذقنا معاً حلاوة الجمال ومرارة القبح، تفانينا في عمل الخير وقصرنا في محاربة الشر. حتى وصلنا أخيراً إلى مرحلة لا خيارات حول الموقف من تفاصيلها.
استلمت سيارتي من وكيل الشركة في روما، وفي نفس اليوم سألت نبيل العربي زميلي في أكبر دفعة من الملحقين الدبلوماسيين يجري تعيينها في الخارجية منذ تولي الضباط الأحرار مسؤولية الحكم في مصر، سألته عن أقرب موقع سياحي يلجأ ناحيته المقيمون في روما مع عائلاتهم في أيام العطلات. غاب عنا قليلاً وعاد ومعه خريطة قال عنها لا أحد من الأجانب المقيمين في إيطاليا أو السائحين إليها يتحرك بدونها.
فتح نبيل الخريطة ليحدد لي موقع مدينة تيفولي و«فيلا ديستي» بالذات. اشتهرت حدائق التيفولي بتخطيطها الجذاب ونافوراتها العديدة وبالقصر الرائع. حدد لي أيضاً موقع «كاستيل جاندوفلو» الضاحية التي يقيم فيها بابا الفاتيكان في شهور الصيف، وهي مرتفعة قليلاً عن سطح البحر وتتوسطها بحيرة واسعة. تركني اختار بين الاثنين.
اخترت مصيف البابا. تحركنا في الثامنة صباحاً يدفعني الفضول والرغبة في إدخال السعادة إلى عائلتي وصديقات لنا من لبنان، ولكن راح يهدئ من حماستي ما وشت به الخريطة عن قدر الارتفاع الضئيل لهذه الضاحية. كنت لا أزال أعيش عقدة المقطم، الجبل المتاخم للحي الذي ولدت فيه وشهد مرحلة تنشئتي الأولى.
كانت، على كل حال، رحلة طيبة من نواحٍ أخرى. الضاحية كانت تبعد ما لا يزيد على خمسة وعشرين كيلومتراً عن روما. يتوسطها ولكن على ارتفاع مناسب قصر أو قلعة البابا. كل ما في القرية يعكس ذوقاً رفيعاً وطبيعة خلابة حتى إنها مصنفة في إحدى كتيبات السياحة باعتبارها واحدة من أجمل قرى إيطاليا.
مرة أخرى أجرب السفر قائداً لسيارتي في رحلة إلى نابولي، عاصمة الجنوب. كانت الرحلة سهلة والطريق الساحلي مريحاً ومنبسطاً. توجهنا فور وصولنا إلى مقر سكن نائب القنصل وهو أيضاً من زملاء دفعتي. شربنا القهوة بسرعة متشوقين لركوب العبارة التي سوف تحملنا إلى جزيرة كابري، تلك الأسطورة السياحية. جمالها في جبالها ووديانها ومقاهيها المتناثرة وقصورها المترامية على قمم الجبال، قصر منها كان المفضل لدى الملك فاروق.
بعد قضاء يومين بين كابرى ونابولي قررت العودة على طريق غير طريق الشاطئ المنبسط، حيث بعض أجزائه دافعة للملل ككل طرق السفر المنبسطة، وإن كان أغلبه يمر إلى جانب جبال مبهرة تتخللها مصايف توقفنا في بعضها.
انتهت الرحلة بسلام بعد أن خلّفت في ملف ذكرياتي قصة أول تجربة قيادة على طرق جبلية وعرة وفي ظروف خطرة. هذه التجربة بكل المعاناة التي عشناها كانت وراء تحقيق حلم قديم، حلم قيادة سيارة في مواقع متعددة من سلاسل جبال شامخة، وبخاصة سلسلة الألب الأشهر في خيالي وزيارة قرى ومدن سمعت أو قرأت عنها.
هذه المواقع ليست سوى نماذج للكثير من إبداعات الطبيعة والبشر، أكثرها لا يرى إلا برحلات ينظمها ويقودها بنفسه إنسان مثلي يحلم بزيارة أثر أو شخص في موقع بجبل ضمن سلسلة جبال فيقرر في لحظة ويبدأ على الفور يحقق الحلم منفرداً أو مع رفيق سفر. هذا بالضبط ما عشت أفعل خلال عطلاتي. بدأت بركوب جبال إيطاليا ظناً مني أنها ستكون أقل وعورة، أملاً في أن تكون تمهيداً طيباً وآمناً لاقتحام عالم القيادة الجبلية الصعبة في الألب وغيرها من السلاسل الشهيرة في العالم.. تحقق الحلم.
جميل مطر
استمرت تطاردني عقدة «جبل» المقطم في مصر، هذا العملاق بالنسبة لسكان سفوحه وما تحتها في الجمالية والدراسة أو بعيداً عنها في المنيرة وحيّ الحكومة، وكنت أحد هؤلاء السكان. تقدم بي العمر فانتقلت من المراهقة إلى الشباب اليافع وسافرت إلى أصقاع بعيدة ولم يعد المقطم عملاقاً. صرت مع مرور الوقت وتعدد مواقع سكني وعملي أشير إليه بالتل المتواضع مثله مثل تلال كثيرة متناثرة حول مدن سكنتها غير القاهرة.
أذكر أنه بعد أن أتممت مهمتي في شيلي والأرجنتين، وقبل أن أعود إليهما في مهمة من نوع آخر، حدث أن أنتجت هوليوود فيلماً سينمائياً يصوّر سقوط طائرة فوق قمة مجموعة القمم المشكلة لما يعرف بقمة آكونكاجوا (أو بالأحرى الارتطام بها). وقتها ذهبت أكثر التقارير إلى أنها ارتطمت ولم تسقط بحكم أنها كانت تطير على أعلى ارتفاع مقرر لها.
تعمدت في هذه الرحلة الأخيرة إلى هذه القارة الممتعة بفنونها وبأهلها وحكاياتها، أن أتناسى هذه المأساة.
على كل حال، أذكر أننا كنا قبل اقترابنا من هذا المشهد الرائع، والمهيب في الوقت ذاته، كنا كعادتنا في رحلاتنا الطويلة، وتلك كانت أطولها على الإطلاق، ننشغل بمناقشة ما كنا نشترك في التعلق به وهو تخصصنا الأكاديمي المشترك. وقتها كان هنري كيسنجر ملء السمع والبصر، والعقل أيضاً، وكان العالم ينتقل معه بهدوء من نظام القطبين إلى نظام هيمنة القطب الواحد، وإن كنا لم نتوصل وقتها إلى اقترابنا من هذه النتيجة. خرج كيسنجر بأمريكا من حرب طال أمدها باتفاقية مع الفيتناميين وحقق نصراً على الاتحاد السوفييتي بزيارة قام بها مع ريتشارد نيكسون إلى بكين، زيارة هزت أرجاء الكون، وقبلهما كان خارجاً لتوّه من عملية دبلوماسية - عسكرية أوقف بها حرباً بين إسرائيل ومصر وعملية استخباراتية أسقط بها حكومة سلفادور آليندي في شيلي وأقام نظاماً دكتاتورياً يقوده الجنرال بينوشيه.
كنا في واقع الحال هناك، وأقصد أننا كنا في أمريكا اللاتينية، نراقب ونسأل ونناقش الآثار المحتملة لما حققته أمريكا من تغيرات جسيمة على العلاقات الدولية، ولكن بوجه خاص على سلوكيات شريحة مهمة تمثل دول العالم النامي.
ما أشبه الحادث اليوم بما حدث قبل نحو نصف قرن. حدث ويحدث ترقب مصاب بالخوف في معظم عواصم العالم النامي، وبخاصة عواصم الشرق الأوسط، الخوف مما يمكن أن يحدث لها لو أنها لم تصطف فوراً في طابور انتظار ما يتقرر لها. كل الظروف حرجة والعالم، والعرب جزء فيه، متوجه بكل طاقته نحو نظام جديد مجهول الشكل والهوية.
وصلنا وأصرّت زميلتي ورفيقة رحلتي الثالثة، أو لعلها الرابعة، إلى سنتياغو أن نقوم برحلة سياحية إلى أماكن زرتها وتعلقت بها خلال إقامتي القصيرة في شيلي قبل هذه الرحلة بنحو ربع قرن. لم أتردد في الاستجابة وما كان لها أن تصر، إذ كانت بثقافتها الواسعة وذكائها المتوقد وتجاربها في الحياة خير رفيق لرحلة نجوب فيها معاً مواقع أخاذة ونستمع إلى نُتَف تاريخية
أذكر أن برنامج الرحلة، كما صغته أنا وأضافت زميلتي إليه، تضمن زيارة الشقة التي كان يسكنها بابلو نيرودا وكلانا كان من المغرمين بشعره وتفاصيل حياته، لم ينقصنا سوى أن نجلس على مكتب له أو أريكة تطل على المحيط من وراء شرفة في منظر حقاً أخاذ، أو هكذا رأيته على كل حال.
عدت إلى سنتياغو في آخر رحلاتي لأكتشف أن تغيرات كثيرة وقعت في غيابي. وجدت شبان الجالية الفلسطينية مختلفين عن الجيل الأسبق في نواحٍ متعددة. غابت اللغة العربية مع غياب أجيال أسست الجالية وأجيال رعتها. لم يغب التعلق بالوطن السليب، ولم تغب كلمة «البلاد» وإن كان منطوقة بعربية «متعبة» أو صادقة وخفيفة الظل.
المدينة، وأقصد العاصمة، أصابها، خلال غيابي، التحديث الذي أصاب مدناً أخرى في أمريكا الجنوبية.
غاب الكثير، ولم تغب قمم الأنديز المطلة في وقارها وهيبتها، وحنانها، على سنتياغو، المدينة الوديعة.