صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
جميل مطر
دبلوماسي مصري سابق وكاتب
أحدث مقالات جميل مطر
18 يونيو 2026
مجلس للتفكير

من مزايا التعود على استحضار الذاكرة القوية، ولو متقطعة أو متباعدة في الزمن، أنه الأقدر على إطفاء بعض النار المشتعلة بفعل حنين مفاجئ أو مضاعف، أو بسبب دفقة من دفقات ظمأ حسي، أو تفاعلاً مع لسعة شوق مباغت، أو تمرداً على إيقاع ملل مستبد نخاله لقسوته مزمناً. وهو، أقصد هذا التعود، ربما كان الأقدر كذلك على حشد قدرات أخرى فشلت منفردة ومجتمعة في التصدي لصعوبات عسيرة واجهتنا أو تواجهنا، هو العضد والسند في الأزمات وعند غياب الخيارات والبدائل. كل هذا وأكثر منه مرّ بي وسوف أمر ببعضه في ما تبقى لي من زمن.

كنا ونحن صغار نفضل أن نذاكر دروسنا ونستعد للامتحانات ضمن مجموعة أصدقاء أو زملاء. أذكر أننا كنا نستبعد، خاصة في وقت الأزمة، الكسول والمشاغب وغير الراغب في التحسين والتحصيل. كنا كجماعة مختارة نحقق نتائج أفضل، حتى وإن اختلفت مشاربنا الأكاديمية. كانت أمي خبيرة تعرف كيف تميز بين أعضاء جماعات اللعب والتنزه وأعضاء جماعات الدرس والمذاكرة، ترحب بهم جميعاً طالما التقوا خارج دائرة الأزمات، أي خارج مواسم الامتحان، ولا تشجع حضور «الأشقياء»، ومن كانت تطلق عليهم «عيال لعبية وبطيئي التفكير»، في اجتماعات نهاية العام الدراسي.

مرت السنين، تخرجت وسافرت لأعمل في الهند ثم في الصين. عدت إلى الجامعة بعد عشر سنوات أو أكثر من العمل في الدبلوماسية، عدت مدفوعاً بروح التمرد وساعياً للتحسين والتجديد والتغيير.

ظل هذا النوع من العمل الجماعي يحظى بتفضيلي إلى يومنا هذا باعتباره الأسلوب الأمثل لشحذ قريحة المشاركين وزيادة أو تحسين محتوى الذاكرة لدى كل منا. سعدت أيما سعادة يوم استدعاني رئيس تحرير الأهرام إلى مكتبه في الطابق الرابع وسط انشغالنا بتأسيس مركز للدراسات الاستراتيجية. استقبلني هيكل كعادته بالاستفسار عن آخر فكرة «براقة» سمعتها أو قرأت عنها أو أتداولها مع أصدقائي لينتقل بعدها إلى سبب الاستدعاء. قال إنه يفكر في تنظيم لقاء دوري يضم من نعتقد أنه يمكن أن يفيدنا في مشروعنا، مشروع إقامة مركز للبحوث لا تختلف فكرته كثيراً عن المركز الشهير المقام في لندن. عاد يؤكد وهو يودعني على أهمية أن نبقي الأمر بيننا إلى أن نقرر نهائياً.

انتظم اللقاء ليعقد كل ثلاثاء في الخامسة مساء. لا جدول أعمال، ولا ورقة عمل إلا في حالات استثنائية، لا تصوير، ولا مكالمات هاتفية حتى لرئيس التحرير، بمعنى آخر لا مؤثرات خارجية من أي نوع، حتى المشروبات الساخنة والمرطبات موجودة في أحد أركان غرفة الاجتماع، وهي إحدى الغرف التي يتكون من مجموعها ما كان يعرف بمكتب رئيس التحرير.

حضر بانتظام هذه اللقاءات، على ما أذكر، كل من عبد الحليم بدوي، وهشام عامر، وأسامة الباز من الخارجية، وسميح صادق، وحاتم صادق، ومحمد سيد أحمد، ورئيس التحرير، وكاتب هذه السطور من الأهرام. حضر، على ما أذكر، بدون انتظام وبدعوات خاصة عبد الوهاب المسيري والعقيد القذافي واللواء حسن البدري.

أذكر، بغير صعوبة شديدة، كيف كانت ثمار هذه الاجتماعات مفيدة للجميع وبخاصة لعمل المركز في مستقبل أيامه، وبشكل ما الشهور التي وجدت فيها. أذكر مثلاً الرحلة باسم المركز، التي تقررت لزيارة عدد غير قليل من دول آسيا على ضوء اقتناع المجلس بفكرة «القرن الآسيوي» وتبعاتها بعيدة المدى على النظام الدولي وعلى نظامنا الإقليمي. أذكر جيداً احتلال أحوال الخليج العربي مكانة بارزة في تفكير معظم أعضاء المجلس، وقد جاءت ترجمتها في رحلة أخرى قادتنا نحن الاثنين إلى جميع العواصم العربية باستثناء عاصمتين أو ثلاث، قمنا بها خارج إطار المركز. كان المجلس فرصة رائعة يجري خلالها «شحذ» قدراتنا الفكرية بعيداً عن قيود الحساسية الزائدة وإضافة رائعة لمخزون الذاكرة. كم تمنيت أن تتكرر تلك الأيام والشهور في مستقبل حياتي!

حضر هذا المستقبل محملاً بأحمال ثقيلة، أثقل كثيراً من كل توقعاتنا.

11 يونيو 2026
مذكرة إفريقية

انتظم في القاهرة قبل أيام احتفال بيوم إفريقيا، قيل لي إنه كان فاتراً مقارنة بما كان يستحق لو أنه انتظم في أيام بعيدة خلت. لا أريد أن أكون واحداً من «الشكائين» أو «البكائين» على أمجاد انحسر تألقها بفعل الزمن أو بفعلنا، لكن يجب أن أعترف بأنني حزنت نوعاً ما لأننا لم ننظم احتفالاً يليق بذكرى يوم إعلان إقامة علاقة بين جمهورية الصين الشعبية والجمهورية المصرية، احتفال ينسجم مع قادم الأيام والأحلام. أتمنى على كل حال أن لا يتمدد سبب حزني أو يطول.

لي مع إفريقيا حكايات ولي مع الصين حكايات أخرى. ففي مثل عمري يحب المرء أن يقضي بعض فراغ وقته، وهو بعض كبير، يقضيه مع الذكريات ينعشها وتنعشه ثم يستأذن ليروي منها ما لا يزعج ولا يؤذي.

أذكرني جالساً في غرفة من غرف مخصصة لموظفي إدارة الصحافة في موقعها الجديد بالعمارة التي احتلتها وزارة الخارجية في ضاحية الجيزة، وفي الطابق ذاته سكنت الإدارة الإفريقية وإدارات غيرها غرفاً أخرى. تصادف وقتها، أي قبل نحو 60 سنة، أنني كنت عائداً للديوان العام من دورة السنوات الأربع التي قضيتها في الهند والصين وإيطاليا على التوالي. تصادف أيضاً أن زملاء آخرين من دفعتي كانوا عائدين من دورات أخذت البعض منهم إلى سفارات في باكستان والسودان والدنمارك وقنصلية نابولي، هؤلاء التحقوا بإدارات متنوعة منها الإدارة الإفريقية ومكاتبها التي، كما ذكرت، تقع بالطابق نفسه الذي احتلته إدارتنا.

لاحظت، وهنا تبدأ الحكاية، أن زملائي في الإدارة الإفريقية كانوا يقضون معظم أوقات عملهم في مكاتبنا بإدارة الصحافة كأنهم بلا عمل يؤدونه. صرنا مع الوقت على علم بشكواهم، وخلاصتها أن جهازاً يتبع رئيس الدولة مباشرة صار يحتكر كل العمل المتعلق بالنشاط المصري في إفريقيا وبسياسات وأنشطة الدول الإفريقية. تردد كثيراً اسم الضابط الشاب محمد فايق كرئيس لهذا الجهاز.

أنا مدين لكثيرين قدموني لإفريقيا، لكني أختص باعترافي بالجميل، وهو كبير وصادق وثمين، لعدد محدود، على رأسهم محمد فايق.

كان سمير أمين واحداً من بين كثيرين رشحوا لي فايق ليحتل هذه المكانة الفريدة في قائمة من أعتز بقيمتهم ومنهم من قدم لإفريقيا خدمات جليلة وسعى بكل إخلاص ليحقق أهدافها ويعزز سعيها نحو التقدم والتكامل. من هؤلاء الدكتور بطرس غالي وأحمد حجاج وحلمي شعراوي ومحسن عوض وحمدي عبد الرحمن ومنى عمر، والزميلة أماني الطويل.

زرت دكار. هناك رأيت سمير أمين يعمل على الطبيعة متحدياً واقعاً صعباً. حضرته يحاضر في التنمية عشرات الباحثين من كافة الجنسيات الإفريقية في مركز تابع للأمم المتحدة. وصفه سياسيون أجانب بالراهب الذي وهب نفسه لخدمة إفريقيا.

زرت بعدها زامبيا وجنوب إفريقيا وفي رحلة ثالثة زرت جزر القمر وموزمبيق ومدغشقر وتنزانيا وكينيا وجنوب السودان وإثيوبيا والصومال.

كان للتجوال في أنحاء إفريقيا في ذلك الوقت طعم محبب. طعم شعوب أفاقت من كابوس رهيب، أذكر قادتهم وقد جاؤوا إلى القاهرة بنية التصديق في مؤتمر شامل لكل إفريقيا على وثيقة إقامة منظمة إفريقية كبرى تلم شتات الإفريقيين دولاً ومنظمات وشعوباً وحركات وطموحات وأحلاماً. كنت شاهداً على فرحة أممية لا تعادلها فرحة أخرى. أذكرني، قبل التخرج في الجامعة، وأنا أعيش يوماً مع قبيلة تسكن جبالاً في أعالي كردفان. تصادف أنه كان يوم احتفال شيوخها بعيد بلوغ شباب القبيلة. كنت أعرف أن للبلوغ عند القبائل الإفريقية مكانة مقدسة. يثقون، كما شرح لنا أحد شيوخ القبيلة صباح يوم الاحتفال، بأن عيد «البلوغ» يعني أشياء كثيرة، في صدارتها يأتي الإيمان بأن القبيلة في هذا اليوم تتجدد وترتقي في آن. حضرني هذا الشرح وأنا أشارك ضمن فريق من شباب الخارجية المصرية مكلف بتنظيم عقد المؤتمر الإفريقي الأول فأتساءل عما إذا كان ما أشهد أمامي في القاعة من حماسة وصدق وثقة بالمستقبل هو أول خطوة على الطريق نحو «البلوغ»، بلوغ الأمة، أمتنا العربية وأمة إفريقيا. الغريب والمثير معاً هو أن يخطر لي الشرح نفسه بعد مرور أكثر من عشرين سنة على انعقاد المؤتمر الإفريقي الأول وكنت رئيساً لفريق لجنة صياغة قرارات أحد مؤتمرات القمة العربية، وكنا، رئيساً وأعضاء وبينهم من صار وزيراً لخارجية بلده، مجمعين على أننا نعيش للأسف مرحلة أفول في العمل العربي المشترك. يومها خطر الخاطر نفسه حتى رحت أتساءل عما إذا كان ما نشهده أمامنا خطوة إلى الوراء على الطريق نحو «البلوغ»؟

مرت سنوات أخرى عديدة. اجتمعنا بعدها في القاهرة كفريق مشترك من متخصصين في الشؤون العربية ومتخصصين في الشؤون الإفريقية. فكرنا وبحثنا وتوصلنا إلى رأي أخشى القول إنه كان موحداً. نعم، لقد سعت الأمم الإفريقية والأمم العربية للوصول كل بوسائلها الخاصة إلى حال «البلوغ»، وكانت حصيلة السعي واحدة في الساحتين العربية والإفريقية:

كلتاهما وصلت إلى «سن البلوغ»، ثم تجاوزته من دون أن تتوصل أي منهما، للأسف الشديد، إلى «حال البلوغ».

تؤلمني الإضافة بأنه حتى السعي نحو «البلوغ» توقف.

4 يونيو 2026
في مثل هذه الأيام

أذكر في مثل هذه الأيام، قبل أكثر من سبعين سنة، كنت أجلس في المكتبة التابعة لقسم الاستعلامات بالسفارة الأمريكية في حي غاردن سيتي، وأمامي كتبي وكراساتي أذاكر لامتحان نهاية العام الدراسي. انتبهت وأنا منهمك إلى يد على كتفي، رفعت رأسي لأرى قريباً لي يعمل في المكتبة أميناً لمكتبتَي الأطفال والموسيقى، يدعوني لشرب الشاي، والاستمتاع ببعض الراحة في مكتبه بالطابق الثاني. تحادثنا في أمور العائلة، وأموري الخاصة بدراستي، وما أخططه لما بعدها، وقد صار قريباً. انضم إلينا موظفون آخرون وموظفات، كل لدقيقة، أو أقل. كل يحييني تحية من يعرفني من قبل بسبب كثرة تردّدي على المكتبة، وقد صار وجهي مألوفاً، وطباعي كقارئ منتظم معروفة.

كانت مصر تغلي بالآثار التي خلّفتها الحملة التي شنتها حكومة الثورة ضد الخطط الأمريكية الهادفة، تحت مسمى حلف بغداد، إلى قمع تيار «القومية العربية» الزاحف وقتها بحماسة لم تشهد الكيانات السياسية العربية، بخاصة التي لم تكن حصلت بعد على استقلالها، مثيلاً لها من قبل.

أذكرني، وأنا العضو النشيط في فريق الجوالة، العضوية التي أتاحت لي زيارة أعالي السودان، ومرتفعات وسهول «المملكة» الليبية، امتداداً من الجبل الأخضر في ولاية برقة وانتهاء بالحدود مع تونس قرب طرابلس الغرب، إحدى أجمل المدن العربية المطلة على البحر المتوسط، أتاحت لي أيضاً زيارة مخيمات اللاجئين في قطاع غزة، وحققت أمنية مراهق سياسي أن يشاهد على الطبيعة نمط حياة العدو الإسرائيلي على أرض غيره.

شجعني والد محب، يريدني أن أرى وأتعلم، وبالتأكيد لا يريدني أن أتعب، أو أمرض، أو أودع في زنزانة بسجن إسرائيلي، فأحظى وأنا دون الثامنة عشرة، بتغطية الصفحات الأولى لصحف القاهرة، وتوافد مراسلي الصحف على بيتنا في حي الدواوين، تستقبلهم أم بدموع منهمرة لثلاثة أيام طول فترة الاعتقال، والعودة برفقة البوليس الحربي من غزة، وحتى تسليمي لها على «بسطة» شقتنا على الطابق الثالث، حيث «باتت» في انتظاري لتحميني من الصحفيين، وغيرهم من الفضوليين أبناء الحي.

مر عام، أو عام وشهور معدودة، ليعلن جمال عبدالناصر تأميم قناة السويس، هذا المرفق الحيوي المهم. نعرف الآن أن إسرائيل حثت كلاً من بريطانيا العظمى وفرنسا على شن حرب ضد مصر، من دون أن تحيط الولايات المتحدة علماً، أو تحصل منها على إذن مسبق. أظن أنها عادة إسرائيلية، وكفاءة منقطعة النظير، عادة إشعال الحروب بين دول كبيرة تتقاتل، أو تقاتل، بينما تنتهز إسرائيل الفرصة لتبيد شعوباً، أو تسرق ثروات، أو تتوسع في أراضي الغير، أو تحصل على ميزة، أو فائدة ما.

هناك في حرب السويس، حرب أسهمت إسرائيل في إشعال فتيلها، خرجت بريطانيا دولة «منزوعة» العظمة، دولة عظمى فقدت في هذه الحرب عظمتها. لم يدرك قادة دول العدوان الثلاثي أن أمريكا، بفضل حربهم، سوف تحصل على اعتراف عالمي بأنها صارت دولة عظمى. وتشهد السنوات اللاحقة كيف راحت دول العدوان ودول المنطقة والعالم بأسره، تجرب سياسات شتى لتتأقلم مع واقع جديد في النظام الدولي.

رحت أتأمل طويلاً في واقعنا الراهن. ففي نظرنا، كما في نظر دول عدّة، أمريكا لم تعد القوة الوحيدة صاحبة الحق في أن تمارس الهيمنة على ما عداها من دول وشعوب. أمريكا في وضعها الراهن لا تملك من القوى الناعمة والناتج الاقتصادي ما يسمح لها بأن تهيمن منفردة، وإن كانت مستمرة في ممارسة هذا الحق، تلصصاً أو خلسة، أو خروجاً عن القواعد الجديدة المصاحبة لمرحلة الانتقال الراهن في خريطة توزيع القوة. لاحظت، كما لاحظ كثيرون، أن إسرائيل، مثل دول أخرى في الشرق الأوسط، لا تزال مصرة، بالعجز أو بنقص اليقين أو بالثقة العمياء، على أن تتعامل، إقليمياً ودولياً، على اعتبار أن الولايات المتحدة لا تزال دولة عظمى، ومهيمنة، ولو في هذا الإقليم فقط.

أعتقد أن في هذه الملاحظة الكثير من المبالغة. لأنه إذا كانت هناك دول في هذا العالم يجيد خبراؤها قراءة خريطة توزيع القوى، فإسرائيل سوف تأتي في مقدمة هذه الدول. إسرائيل مدينة بنشأتها وغزواتها ونفوذها الدولي لدورّين أجادت صنعهما وممارستهما، على مدى السنين. قليلون من بين منظّري وممارسي التعليق على أدوار لعبتها إسرائيل، في القرنين الأخيرين، هم الذين ينكرون هذه الحقيقة. اليهود من ذوى الميول الصهيونية لا يزالون الأقدر، بين مختلف التيارات الأيديولوجية، على دفع الدول، العظمي بخاصة، إلى شن حرب، أو أخرى، فلإسرائيل من وراء هذه الحروب غرض ومبتغى.

إسرائيل تعلم أن أمريكا دولة عظمى، ولكن منحدرة، والانحدار، كما تعلّمنا من تجارب التاريخ، بخاصة حرب السويس، سبب كافٍ لشن حرب لا يرجى من ورائها خير للدولة العظمى المنحدرة، وسبب آخر كافٍ أيضاً لانسحابها فجأة وفي أي وقت من هذه الحرب.

28 مايو 2026
ليلة العيد

أذكرني مرتدياً «الشورت» وقد انتهينا من ذبح خروف العيد. قام بالذبح وسلخ الفروة جزار، أو بالأحرى صبي جزار، وأظن أنه حصل على الفروة أجراً على ما فعل بالخروف وعلى الوقت الذي قضاه بعد ذلك لمساعدة «سيدة» وأمها في جهود إزالة آثار ما فعل وإعادة «السطوح» إلى ما كانت عليه قبل الذبح نظيفة وأنيقة كما عهدناها دائماً ملعباً للصغار من سكان العمارة.

كنا، في عصر ذلك اليوم، «ملهوفين» على أداء ما تبقى لنا لنفعل من طقوس هذا اليوم المجيد. تجسدت لهفتنا في صرخات فرح وانبهار بوصول صبي الفران يحمل ألواحاً من الخوص تحمل بدورها عشرات الأرغفة الملتهبة سخونة. تتسلمها أمي مقابل عيدية مناسبة لحاملها الذي راح يهمس في أذن «سيدة» برسالة فحواها أنه سيكون بانتظارها مع أمها ليحصل على نصيب عندما تبدآن في توزيع الأرغفة على المتسولين والدراويش المقيمين بصفة دائمة حول مسجد السيدة زينب.

استدارت أمي ناحيتي لتطلب مني الدخول إلى المطبخ لأطلب من «سيدة» وضع أحد الأرغفة المحشوة بالأرز واللحم المسلوق في «ورقة جورنال» لأنزل وأعطيه إلى عامل الغاز مع تمنيات أمي بعيد مبارك يعود عليه وعلى أهله بالخير والصحة الطيبة. فهمت وقتها أن العيد فرصة لتلقين ابن العاشرة بعض طقوس ولغة التخاطب مع الغرباء في المواسم الدينية كهذا العيد، عيد الأضحى. مر على هذه اللحظة أكثر من ربع قرن ليطل علينا العيد الكبير لأول مرة في القاهرة وقد صرت زوجاً ووالداً لطفلين. أبدت زوجتي دهشة مختلطة بالرفض عندما طلبت منها إعداد شواية الفحم من أجل إفطار أول أيام العيد. استنكرت عادة تناول إفطار اللحوم المشوية وأصرت على أنها لا تريد تلقين أطفالها طقوساً مضرة بصحتهم. ذكرتها بأيامنا في بيونس آيرس عندما كانت رائحة الشواء تفوح في شوارع الحي الفاخر صباح كثير من الأيام، وهي الأيام التي يوجد فيها عمال من الريف الأرجنتيني في الحي للعمل في مشاريع البناء ورصف الطرق. هؤلاء كانوا يتناولون اللحم المشوي على امتداد وجباتهم الغذائية وأهمها الإفطار.

من رحلات الذاكرة قبل ثمانين وسبعين سنة، من رحلة الشواء والعيد والأم الزاهدة في متع الدنيا الزائلة إلى عالم يهيمن على أهم مقدراته قطب عظيم ينحدر، وإلى أحداث زمن تكشف حجم مأساته صور لرئيس هذا القطب المنحدر قوة مع رئيس قطب صاعد بتؤدة ولكن بحزم، صور ناطقة تنقل عن الرئيسين حديثاً متبادلاً في زمن ملتهب بالتوتر والقلق والخشية من أن يلجأ أضعف الرئيسين عقلاً وخبرة إلى حرب نووية لا ترحم ولا تستثني.

أرى من كوة في الذاكرة رئيساً هو الضيف لا يحمل هم الدمار والخراب ويتحدث طوال لقاء القمة عن إعجابه بتماثيل القصر الإمبراطوري في بكين وبالزهريات البديعة في رسمها والصادقة في قدمها وحقيقتها وعن دهانات الجدران وعن الإبداع في اختيار ألوانها وحسن اختلاطها، ورئيس آخر هو المضيف يتأمل متفاخراً ومتباهياً بأسبقية بلاده في احتلال مكان مرموق في التاريخ ويتأمل ساخراً في أحوال الضيف الذي يستحق عن جدارة في حكم السياسة والقانون والتاريخ صفة «البطة العرجاء».

قضيت ليلة العيد أفكر في حال عالم يعيش أياماً يسود فيها ارتباك من يتوقع مستقبلاً مختلفاً كل الاختلاف عن حاضره. لا تدرّج ولا قدرة واعية وقادرة على التدبر وأدوات وآليات مبتكرة هي من صنع عقل من لا عقل له. فكرت في زمن سوف يعيش فيه أولادي وأحفادهم، هؤلاء بذلت الكثير من الطاقة ومن سنوات الجهد ومن العلم من أجل تدريبهم على حسن استخدام ذكائهم لأكتشف في تلك الليلة، ليلة العيد، أن في المستقبل سيأتي من يستبدل ذكاء أولادي وأحفادي بذكاء اصطناعي من صنع أجهزة وعقول إلكترونية. يزعمون أنهم سوف يفلحون في حقن أدوات وآليات هذا الذكاء الاصطناعي بإكسير الحب، وهو أيضاً مصطنع خصيصاً لأبناء وبنات جيل المستقبل.

اكتشفت أيضاً في تلك الليلة، أو قل توصلت إلى أن إسرائيل تستعد لأن تحل محل إيران وأمريكا فتنشئ وتدرب وتطلق ميليشيا لكل بلد في الشرق الأوسط. وبواسطة هذه الميليشيات تضمن عدم استقرار سياسي متواصل في كل دول المنطقة، تماماً، أو تقريباً، مثلما فعلت القاعدة أو داعش في العراق وسوريا ومثلما حدث في ليبيا ويحدث في السودان. تضمن إسرائيل على هذا النحو ألا تقوم دولة في المنطقة تعيق ما تنوي عمله، فعل لا يختلف كثيراً عما فعلته في غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان، سلاسل من حلقات الدمار والخراب. الوضع الذي صار يطلق عليه في صحف غربية تعبير «عمليات تحديث الهمجية»، وبسببه صارت إسرائيل في نظر علماء يهود منهم جيفري ساكس وجون ميرشهايمر، أمّة من القتلة.

أي ليلة عيد كئيبة هذه الليلة؟! وما أحلى ليلة عيد عشتها مع الذاكرة!

21 مايو 2026
خلفيات قمة اليوم الواحد في بكين

كل ما يتعلق بالصين يستهويني، حتى أيام الحرمان والفقر، وذكرياتي مع العصافير والذباب، وأمسياتي مع زوجة على وشك الإنجاب في شقة بمبنى سكن الأجانب، أثاثها سرير في غرفة النوم، وكرسيان من الخشب الخالص والمحفور في صالة استقبال وانتظار.

ما أحلى أن تقف وراء نافذة تطلّ على ساحة وزارة حكومية خرج بعض موظفيها إلى ساحة فضاء شاسعة ليصطفوا، متباعداً الفرد عن الآخر، ولمدة نصف ساعة، والثلج الأبيض يتساقط في دِعة وبهاء، يباشرون ما يشبه التمرينات الرياضية، ولكنها ليست كذلك. سألت وعرفت، تمارين روحانية ونفسية ترقي إلى مستوى الأيديولوجيا.

كانت بكين أول مدينة صينية أراها، أو أهبط فيها، باستثناء إطلالة من شبّاك فندق على مدينة كانتون في أقصى جنوب الصين، وإقامة لأيام في هونغ كونغ المدينة الهجين قبل أن يتولى الحزب الشيوعي الصيني أمر إعادتها صينية «نقية».

عشت في بكين وقرأت عنها، ومررت بشنغهاي وقرأت عنها. عشت في بكين عندما كانت لافتة «ممنوع دخول الصينيين والكلاب» لا تزال تستقبلنا عند مداخل المساحة الشاسعة التي كانت تحتلها مباني ومدارس ونوادي الطبقة الإنجليزية ذات النفوذ الشاسع، في الصين في عهد انحدار الإمبراطورية الصينية. قرأت عن شنغهاي، الميناء الذي تحكمت فيه جميع الدول الاستعمارية، بما فيها اليابان وأمريكا وروسيا القيصرية. قرأت كيف كانوا يجمعون، سنوياً، الآلاف من جثث الأطفال الرضّع الملقاة في خزانات النفايات، ويبيعون الزوجات وبناتهن.

مرة أخرى يتدخل الاستعمار في دولة آسيوية، فيعطل مسيرة تقدمها. التاريخ الاستعماري يسجل لنا أن أمتين، هما الهندية والصينية، كان مجمل الناتج القومي لكل منهما قبل وصول الاستعمار الغربي والياباني أعلى من ناتج أيّ دولة غربية كبرى، تحطمت إمكاناتهما، بخاصة البشرية، وتعطل نهوضهما قروناً. كلتاهما على كل حال مستفزة الآن، ولدرجة قصوى للنهوض بسرعة وكفاءة لتعويض ما فقد. أشهد مع كثيرين، أننا نعيش مرحلة قد تستحق تسميتها بالقرن الآسيــوي في التاريــخ السياسـي المعاصــر، باعتباره القرن الذي يشهد سلسلة من محاولات النهوض، وتعويض ما فات وفُقد على أيدي دول غربية، يشهد أيضاً، كما هو الحال في إفريقيا والشرق الأوسط، محاولات قمعها بإثارة نعرات، قومية وطائفية، وبالوقيعة بين دول الإقليم، وتهديد سلامة النظم الحاكمة وقياداتها، حتى الاغتيالات واختطاف المسؤولين أعيدت ممارستها.

اعتمدوا في الصين على مصادر وينابيع الماركسية اللينينية، مزودة بخلاصة الفكر الفلسفي الصيني، أقصد تحديداً تدوير لحظات التوقف في مسيرة تطور الأشياء والحركات الثورية، بحيث لا تجد القوى المعادية للثورة فرصة للهجوم عليها، أو تعطيل تطورها وديمومتها. 

وقعت آخر هذه التطورات بينما كانت الولايات المتحدة، الدولة الأقوى في العالم المعاصر، تستعد لمرحلة انحدار أثرت في كثير من معالم الزعامة والهيمنة، وفي كل ما حولها. كثيرة كانت علامات الانحدار، وأسبابه منها ما يلي:

- الدخل الفردي الحقيقي للمواطن يتراجع.

- انتشر الفساد وتعدّدت أساليبه خصوصاً في ظل إدارة الرئيس ترامب الراهنة.

- تابعنا وبالقلق الشديد السلوك الشخصي للرئيس، بخاصة سرعة انفعاله، وتناقض تصريحاته، وميله إلى إطلاق تهديدات عنيفة غير مدرك، أو مدرك، أن القدر من القلق والتوتر الذي تتعرض له دوائر العدو يصيب أحياناً، دوائر الرأي العام الأمريكية المتعاملة معه، وكذلك حلفاءه.

- فقد متسارع لكثير من عناصر القوة الناعمة الأمريكية.

- اندفاع الرئيس وراء إسرائيل والقوى المالية الصهيونية، والتي يتردّد أنها دفعته، على الرغم من المعارضة الشعبية، لشن الحرب.

- الوقوع أكثر من مرة في أخطاء بروتوكولية، أو تتعلق بمسائل حساسة، داخل أمريكا وخارجها، منها مثلاً التعدّي الصارخ على مكانة بابا الفاتيكان، منها أيضاً التصرفات غير المقبولة أثناء الزيارة الرسمية لملك المملكة المتحدة.

- بسبب هذا الانحدار، تضاف الآن حقيقة أن الولايات المتحدة لم تكسب حرباً واحدة شنتها منذ حملة أفغانستان، والتدخل العسكري المستمر حتى الآن ضد العراق، كذلك يحتج مناصرون لترامب على عملية اختطاف رئيس دولة فنزويلا، فضلاً عن تهديداته المتكررة ضد كندا، والمكسيك، وبنما، وغرينلاند، وكوبا، وغيرها.

14 مايو 2026
القمة الصينية الأمريكية.. تأملات في ظروف انعقادها

هذه القمة لعلها، إن سلمت من المفاجآت المثيرة، تسجل لنفسها صفة الحدث الأهم في مرحلة دقيقة، مرحلة نودِّع فيها نظاماً دولياً بسمات معينة، ونستقبل نظاماً دولياً آخر، أزعم أنه سيكون بسمات شديدة الاختلاف. لذلك نتصور، بل ونأمل، أن تكون العقول السوية المتوفرة لدى الطرفين قد هيمنت خلال جهود الإعداد للقمة، عقول درست خلال فترة معتبرة، المتغيرات الرئيسية التي أثرت وتؤثر في سير العلاقات بين القطبين.

لاحظنا أموراً أخرى، جدير بنا كطرف ثالث الانتباه لها، وهو يستعد لاستقبال نجاح هذه القمة أو فشلها. كثيرة هي التطورات والمتغيرات المحيطة بانعقاد هذه القمة، والمتوقع منها التأثير في نتائجها، أختار فيما يلي بعضاً منها، البعض الذي أثار اهتمامي أكثر من غيره.

* أولاً: جرى استثناء الاستعدادات الجارية منذ شهور عديدة للتحضير لهذه القمة، من دور واضح أو صريح لأسماء أشخاص مرتبطين بالرئيس الأمريكي عائلياً أو لمصالح شخصية، مع العلم أنهم لازموا معظم إن لم يكن كل الاتصالات أو المفاوضات التي جرت بين إدارة ترامب ودول وجماعات في الإقليم.

* ثانياً: لم يمنع وجود هؤلاء الأشخاص جماعات المصالح التقليدية والطارئة من ممارسة ضغوطها على الجهة المنوط بها الاستعداد والتحضير لهذه القمة.

* ثالثاً: في الوقت الذي لم يكن لدى الصين انشغال خارجي جاد وخطير يشتت جهود الإعداد المتوازن للقمة، كانت الولايات المتحدة منشغلة كلياً بحرب ضد إيران دفعتها إليها إسرائيل بالاشتراك مع جماعة ضغط، ما ظل لعقود يعرف بالمجمع الصناعي العسكري.

* رابعاً: كالمعروف عن صنع السياسة في الصين، أتصور أن تستمر الأجهزة الصينية المخصصة للاستعداد للقمة تعمل ضمن قواعد ثابتة وأطر مؤسسية منضبطة وضغوط أغلبها مشتق من التزام بالمصلحة «القومية» العليا، وهو الالتزام الذي لازم أو التصق لزمن ممتد بالمصلحة «الشيوعية» العليا قبل أن ينفصل تحت مسمى «العقيدة الاشتراكية ذات الطابع الصيني»، كتعبير عن سياسات رأسمالية المضمون، مطعمة بضمانات اشتراكية وخاضعة لرقابة حزب لا ينام حراسه.

وكالمعروف عن صنع السياسة في عهد حركة «الماغا»، أو «أمريكا أولاً»، احتفظ الرئيس ترامب لنفسه بحق إدارة دفة الحكم تبعاً لمزاجه وتقلبات أهوائه ونزعاته الأقرب لنزعات المصابين بداء النرجسية المشبع بميول المتقدمين جداً في العمر، وبعض السلوكيات غير الرشيدة.

* خامساً: أتوقع ارتباكاً شديداً في تصرفات الجانب الأمريكي خلال لقاءات القمة، وفي رد فعل الجانب الصيني بتكرار مؤلم ومهين لما حدث خلال زيارة ملك بريطانيا للولايات المتحدة قبل أيام قليلة.

صحيح أن الحرب لم تحقق لناشبيها جل أهدافهم منها، إلا أنه صحيح أيضاً أنها صنعت أسوأ ما في كوابيس أحلام السياسة ما لم يتخيله سياسي أمريكي من قبل.

* سادساً: يبدو لنا من على البعد أن قادة الحكم في بكين استطاعوا إقناع واشنطن بأهمية وقف الحرب ضد إيران، ولو على الأقل خلال فترة الاستعداد للقمة وخلال انعقادها. المثير في هذا الموضوع انضمام قادة روسيا لهذه اللفتة الذكية من جانب قادة الصين، وتلقفها من جانب قادة الولايات المتحدة. بدت لنا هذه التصرفات كما لو كانت القمة الدولية تجرب نفسها من جديد. بدت لنا أيضاً كما لو أن الصين انتهزت الفرصة لتعلن جاهزيتها لممارسة دورها كقطب فاعل وقابل للتصديق، ولتعلن أيضاً رفضها لسياسات تعتمد «قانون الغابة» أسلوباً وسلاحاً في العمل الدولي.

* سابعاً: لا يغفل أحد عن الحضور غير المرئي، ولكن النشط، لروسيا في قمة بكين. روسيا على امتداد أربع سنوات تحارب أوروبا عدوها التقليدي والتاريخي. هدفها منع أوروبا من أن تحقق حلمها أن تصبح القطب الرابع في نظام دولي يجري تشكيله، وهو هدف تشترك فيه مع الولايات المتحدة ولا تقف الصين ضده.

يبقى واضحاً، لنا على الأقل، أن الرئيس ترامب لن يعود وقد حقق لنفسه ولحركة ماغا «جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى»، حلمهما المشترك، بمعنى أنه لن يعود من قمة بكين، وأمريكا لا تزال مهيمنة على العالم.. ولّت بعيداً، ولا شك، فرصة أن تعود أمريكا أو أي قطب آخر دولة مهيمنة. وأنتظر من قمة بكين أن تكون خير دليل.