حالة نزف متواصل تدمي العراق، الذي مازال الإرهاب والقتل والفتنة المذهبية والطائفية، تطبع مشهده العام، ويستكمل الإعلام العالمي التحول، من ناقل للأخبار وكاشف للمآسي، ليضم مهمة أخرى، حمل على الاضطلاع بها، بتحويل جزء كبير من المأساة إلى عدّاد قتلى، جامد بارد، لا إنسانية فيه .

الإعلام ينبري لعد واحتساب الضحايا، وقد نرى عناوين ذات توجهات وأجندات تشجّع على الفتنة والاقتتال، وفي النهاية يبقى المتلقي خاسراَ كبيراً، ويظل الخاسر الأكبر العراق أرضاً وشعباً ومستقبلاً .

أي دارس للإعلام ونظرياته، يشبع حتى التخمة، من نظريات المسؤولية الاجتماعية، والحيادية، والموضوعية، ويحشو عقله بكل مثالي وأخلاقي عن دور الإعلام في المجتمع، وفي لحظة ما تنهار أمام عينيه هذه المدينة الفاضلة التي حلم بدخولها، فوجدها مجرد نظرية .

بين التنظير والواقع بون شاسع، والسبب أبسط من أن يُغفل أو يضيع في زحمة الأخبار، ومرده أن النظرية لم تطوّر لتخرج من إطارها الجامد، وتجد تطبيقاً عملياً، ظلت على حالها، عبارات في الكتب، ولم تترجم إلى سلوك أو حالة عملية .

ما يسود في عالم اليوم، في العراق، وغيره من الدول الحبلى بالتطورات والتجاذبات والتوترات، يفوق بدرجة كبيرة، تحول الإعلام إلى مجموعة آلات حاسبة، ويفوق أيضاً دخول العديد من وسائله إلى مضمار المشاركة الفعلية في صنع الحدث، من خلال التدخل والتلاعب، وممارسة نفوذه وتأثيره في عامة الناس، الذين يجدون فيه معلّماً أو مرشداً .

إعلام الفتن والتفتيت يتفوق ويبسط أجنحته في فضاء رقمي لا رقيب عليه ولا حسيب، فيضع الأجندات، ويؤجج العداوات والفتن، ويعزز حالات فرز طائفي ومذهبي مجنونة، لم تكن موجودة يوماً في تاريخ الشعوب العربية التي طالما احتضنت الاختلاف كعنصر مميز للنسيج المجتمعي .

تمكنت عوامل التفتيت والتقسيم في العراق من أخذ مكان في صدارة المشهد، وقد تتحول الأوضاع إلى ما هو أبشع وأشد، وتنتشر العدوى في دول كثيرة أخرى، على القواعد والأسس ذاتها، وبالوسائل ذاتها التي تسمى زوراً وبهتاناً إعلاماً، وهي لا تتجاوز مرتبة مثيري الفتن والضغائن، ولا يمكن إلا أن ترى كمعاول هدم وتخريب .

كثيرون يصورون انتشار وتكاثر وسائل الإعلام، المرئية منها تحديداَ، على أنه تحرير للإعلام، طالما نادى به المنادون، وطالب به الحقوقيون، لكن الأمر في معظم الأحيان لا يتجاوز تعزيز الحالة القائمة، وبناء وعي مشوه في أوساط النشء، قائم على إبراز فوارق شكلية أو مختلقة، بين فئات الشعب العربي الواحد، وتعزيز النزعات العنصرية والمناطقية، وخلق نموذج جديد من العصبية المرفوضة دينياً وأخلاقياً التي يجب أن تلقى الرفض شعبياً أيضاً .

الإعلام يثبت يومياً كونه قوة عظمى عالمية جديدة، لكنه مازال يتأرجح في كثير من أوجهه ووسائله، بين خانتي عدّاد القتلى، وإعلام الفتنة، وبين هذه وتلك مصائر شعوب ودول تتأرجح، ووعي يتعرض لعمليات تشويه وتزوير، والمرجو أن ينجو الوعي العربي من هذه الأرجوحة القاتلة .

[email protected]