الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

متى نحوّل عثراتنا إلى فرص؟

26 مايو 2026 00:11 صباحًا | آخر تحديث: 26 مايو 00:13 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
شكّل المرور بلحظات الأزمات والحروب على امتداد التاريخ البشري، محطات للتأمل والاستفادة من الأخطاء والهفوات، بل تم تحويل هذه المحطات القاسية إلى فرص حقيقية للإبداع والاجتهاد، ولإرساء حلول ناجعة لمعضلات اجتماعية، واقتصادية، وأمنية.
إن الأخطاء، ومختلف الكوارث والحروب والأزمات التي يصعب، أحياناً، تلافي حدوثها، تمثل بتحدياتها فرصة حقيقية لاكتشاف مكامن الضعف والخلل، وتطوير وتحصين الذات، وتقوية المؤسسات، وإبداع الحلول، التكنولوجية والسياسية والمؤسساتية، بشكل غير مسبوق. كما تدفع أيضاً إلى تعبئة الإمكانات المتاحة وإلى مراجعة الحسابات، وإعادة النظر في السياسات والاستراتيجيات، وتجاوز الآليات المتجاوزة.
وتشير المعطيات التاريخ إلى مجموعة من الأحداث المرعبة التي تحولت تحت ضغط الإصرار والعزم على الاستفادة من الأخطاء واستلهام العبر، إلى فرص حقيقية للتطور، وكسب رهانات تحصين المستقبل.
فبعد قرون متتالية من الحروب والصراعات الطاحنة في أوروبا، التي كانت آخرها الحرب العالمية الثانية، والتي خلفت كلفة خطرة بكل المقاييس، تزايدت القناعة في الأوساط الأكاديمية، والسياسية، والاقتصادية، وفي عمق المجتمع، بضرورة تجاوز متاهات الحروب التي تنتهي، والانكباب على إرساء مرتكزات تحصّن دول القارة من الانزلاق نحو حروب جديدة، وأكثر تدميراً مع تطور الأسلحة، من خلال تأسيس المجموعة الأوروبية للفحم والصلب في عام 1951 التي ستتحول إلى الاتحاد الأوروبي لاحقاً، ما أسهم في تشبيك العلاقات والمصالح التي أصبح معها الاتحاد نموذجاً إقليمياً رائداً في التكتل الاقتصادي، ما يُعد عاملاً حاسماً في منع تكرار الحروب.
وقد ربط عدد من الباحثين والفلاسفة في القارة العجوز بين الدكتاتوريات والحروب، وأكدوا أن الديمقراطية هي المدخل الرئيسي لتحقيق السلام، فقد تبيّن أن الفاشية والنازية، بتوجهاتهما الاستبدادية والتوسعية، قادتا العالم نحو حروب طاحنة.
أما اليابان، وبعد خروجها من الحرب العالمية الثانية منهكة ومدمرة، عقب استهدافها بالسلاح النووي، فاستطاعت أن تقوم من الرماد كطائر الفينيق، لتراهن على بناء الإنسان، وتحقيق التنمية، وتملك التكنولوجيا الجديدة بالصورة التي أصبحت معها قطباً اقتصادياً عالمياً وازناً.
ومن جانبها، تمكّنت الصين الشعبية أن تتجاوز تبعات المجاعة التي لحقت بها ما بين عامي 1959 و1961، وما رافقها من أزمات اقتصادية صعبة، بفعل سياساتها البراغماتية، وانفتاحها على الاقتصاد العالمي، لتحقّق منجزات اقتصادية وتنموية مذهلة.
وعلى الرغم من مرور المنطقة العربية بعدد كبير من الأزمات والحروب والصراعات (حروب أهلية، تدخلات أجنبية، مشكلات اقتصادية واجتماعية، حصار دولي -العراق، السودان وليبيا) على امتداد عدة عقود مضت، إلا أن الملاحظ أنها لم تستفد بشكل ملحوظ، من هذه المحطات، فلا هي اعتمدت التخطيط الاستراتيجي لتجاوز أزماتها، الاجتماعية والاقتصادية، ولا تبنّت تنويع مصادر دخلها القومي، ولا هي دبّرت تنوعها المجتمعي بصورة بنّاءة في مواجهة الطائفية والحروب الأهلية، ولا هي اعتمدت إصلاحات سياسية تدعم الممارسات الديمقراطية، ومواجهة الصراعات الدامية على السلطة.
إن عدم استفادة عدد من دول المنطقة من عثراتها، يعود في جزء كبير منه إلى مجموعة من العوامل والأسباب التي يمكن إجمالها في اعتماد المركزية في اتخاذ القرارات بصدد عدد من الأزمات، في سياق الاكتفاء برد الفعل، بعيداً عن المقاربات الاستباقية والشمولية، وعدم الانفتاح على مراكز الأبحاث ومخرجات الجامعات لعقلنة وتعميق هذه القرارات.
ثم هناك أيضاً تفشي الانتماءات الضيقة على حساب ترسيخ قيم المواطنة في عدد من الدول كلبنان، والعراق، واليمن، والسودان، وليبيا..، بما يكرس الصراع والاستقطاب داخل المجتمع، وهشاشة المؤسسات السياسية والدستورية، ويعرّض هذه الدول لصراعات دامية متجدّدة.
كما لا تخفى الآثار السلبية الناجمة عن الاختلالات التي تعتري المنظومة التعليمية في عدد من هذه الأقطار، والتي تعتمد في مجملها على مناهج تقليدية متجاوزة، لا تحرّض على النقد وطرح الأسئلة الحقيقية وإنتاج المعرفة والحلول المبتكرة للمشكلات القائمة، بقدر ما تدفع إلى إعادة تكرار نفس الخطابات والأفكار السائدة.
إن استفادة الدول العربية من زلّاتها وتحويل أزماتها إلى فرص، يتطلب الاستثمار في المكون البشري، من خلال تعزيز منظومتي التعليم والبحث العلمي، وتبنّي الحوكمة المؤسساتية، وتفعيل آليات التعاون البيني وإحداث تكتل اقتصادي قوي، وإحداث سبل، استراتيجية ومستدامة، لتدبير الأزمات.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة