الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الأمم المتحدة على مفترق القيادة

26 مايو 2026 00:09 صباحًا | آخر تحديث: 26 مايو 00:11 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
في لحظة دولية شديدة الاضطراب، يتجه العالم نحو محطة مفصلية في مسار الحوكمة العالمية، تتمثل في اختيار الأمين العام العاشر للأمم المتحدة. ولا تبدو هذه العملية مجرد إجراء مؤسسي لتغيير قيادة إدارية، بل اختبار عميق لقدرة النظام الدولي على تجديد ذاته، واستعادة شيء من الثقة المفقودة في المؤسسات المتعددة الأطراف، في زمن تتراكم فيه الحروب، وتتسع فيه الفجوة بين النصوص الأممية والواقع السياسي على الأرض.
تنتهي ولاية الأمين العام الحالي أنطونيو غوتيريش في 31 ديسمبر/ كانون الأول 2026، فيما بدأت عملية اختيار خلفه رسمياً عبر المسار المشترك بين الجمعية العامة ومجلس الأمن. وقد أتاح هذا المسار، كما حدث في دورة 2016، مساحة أكبر من الانكشاف العام من خلال الحوارات التفاعلية مع المرشحين، بما يمنح الدول والرأي العام فرصة أوضح لفهم رؤى من يسعون إلى قيادة المنظمة الدولية في مرحلة لا تحتمل قيادة رمزية أو خطاباً عاماً بلا أثر.
المرشحون الأربعة الذين دخلوا السباق حتى الآن يعكسون تنوعاً واضحاً في الخلفيات والخبرات. ميشيل باشليه، الرئيسة السابقة لتشيلي والمفوضة السامية السابقة لحقوق الإنسان، تمثل خبرة سياسية وحقوقية عابرة للحدود، وتطرح تصوراً يقوم على الدبلوماسية الوقائية وإصلاح المنظمة من الداخل. رافائيل ماريانو غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، يأتي من قلب ملف حساس يتصل بالأمن النووي ومنع الانتشار، ويقدم نفسه بوصفه مرشحاً تنفيذياً قادراً على التعامل مع الأزمات الفنية ذات البعد السياسي. ريبيكا غرينسبان، الأمينة العامة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، تحمل رؤية اقتصادية وتنموية تركّز على الفجوة بين الشمال والجنوب، وعلى توظيف البيانات والتقنيات الحديثة في الاستشراف وصنع القرار. أما ماكي سال، الرئيس السابق للسنغال، فيطرح خبرة سياسية تنفيذية قائمة على البراغماتية، وبناء التوافق، واحترام سيادة الدول.
لكن أهمية هذه العملية لا تكمن في أسماء المرشحين وحدها، بل في البنية السياسية التي تتحرك داخلها. فعدد المرشحين الحاليين محدود مقارنة بدورة 2016، حين كان السباق أكثر اتساعاً وتنافساً في مرحلته المبكرة. وهذا الضيق في قاعدة المرشحين قد يعكس حذراً من الدول في الدفع بأسماء قوية إلى سباق تحكمه توازنات معقدة داخل مجلس الأمن، كما قد يعكس إدراكاً متزايداً بأن المنصب لم يعد مساحة شرفية، بل موقع ضغط هائل بين القوى الكبرى، والأزمات المفتوحة، وتوقعات الدول الأعضاء.
وتبرز في هـذا السياق مسألة التمثيل النسائي باعتبارها إحدى القضايا الأكثر حساسية. فمنذ تأسيس الأمم المتحدة، لم تتولَّ امرأة منصب الأمين العام، رغم الخطــاب المـــتكرر عـن الــمساواة وتمكين المرأة في مؤسسات الحــــوكـمة الـــــدولية. وجـــــود مرشحتين بارزتين في السباق الحالي يمنح العملية بعداً تاريخياً، لكنه لا يجعل النتيجة محسومة. فالمـــعيـار النــهــائي لن يتــوقف عند رمزية النوع الاجتماعي، بل سيتأثر بحسابات مجلس الأمن، وبمدى قبول المرشح أو المرشحة لدى الأعضاء الدائمين، وبقدرة الشخصية المختارة على إدارة التوازن بين الاستقلالية السياسية والواقعية المؤسسية.
كما أن المسار الحالي يشهد تطوراً مهماً في مستوى الشفافية. فقد طُرح مطلب الإفصاح عن مصادر تمويل الحملات، في محاولة للحد من الغموض الذي قد يحيط بالدعم السياسي أو المالي للمرشحين. وتم تطوير الحوارات التفاعلية في الجمعية العامة، من خلال تمديد مدتها وتنظيم إدارة الوقت، بما يمنح المرشحين فرصة أكبر لعرض تصوراتهم حول إصلاح المنظمة، وتمويلها، وفاعليتها، وعلاقتها بالدول الأعضاء. ومع ذلك، تظل الحقيقة الأساسية قائمة: الكلمة الحاسمة لا تزال في يد مجلس الأمن، وتحديداً في يد الأعضاء الدائمين الذين يملكون القدرة العملية على تعطيل أي مرشح لا يحظى بالقبول السياسي الكافي.
ومن منظور إدارة المخاطر، فإن المرحلة المقبلة مفتوحة على عدة سيناريوهات. قد يتمكن مجلس الأمن من الوصول إلى توافق مبكر إذا برز مرشح يحظى بقبول واسع ولا يثير حساسية كبرى لدى أي من القوى المؤثرة. وقد تطول العملية إذا تباعدت المواقف، أو إذا ظهرت أسماء جديدة في وقت لاحق لتغيير معادلة التنافس. كما قد تتزايد الضغوط لإصلاح آلية الاختيار نفسها، عبر الدعوة إلى مزيد من الشفافية، أو إلى تقليص الطابع المغلق للمداولات النهائية داخل المجلس.
القائد المقبل للأمم المتحدة سيواجه منظمة مثقلة بتحديات حادة: تمويل مضغوط، ثقة متراجعة، أزمات إنسانية ممتدة، حروب يصعب احتواؤها، وتنافس دولي يحد من قدرة المنظمة على التحرك. النتيجة الجوهرية أن اختيار الأمين العام العاشر ليس انتخاباً عادياً داخل مؤسسة دولية، بل مرآة للحظة العالمية نفسها. فمجلس الأمن، حين يختار الشخصية المقبلة، لن يختار فرداً فقط، بل سيبعث رسالة إلى العالم: هل ما زالت الأمم المتحدة قادرة على تجديد شرعيتها بشجاعة تواكب تعقيدات العصر؟ أم أنها ستظل أسيرة توازنات القوة التي وُلدت في عالم قديم وتعمل اليوم في عالم تغيّر كثيراً؟
* باحث في منصة (مفكرو الإمارات)
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة