إذا كان الإنسان، في حقيقته، ذئباً لأخيه الإنسان، كما قال هوبز، فإن العيش بين البشر يغدو أمراً مستحيلاً من دون لجم هذه الذئبية الكامنة فيهم، تلك التي ترتدي أشكالاً متعددة من العنف والعدوان والهيمنة.
ولهذا، ولكي يكون السلم ممكناً بين الناس، صاغ البشر جملة من القيم المشتركة، تحولت مع الزمن إلى معايير أخلاقية واجتماعية يتوجب الالتزام بها. فالمحبة، والإيثار، والتعاطف، والسلم، والأمان، والتعاون، والصدق، والوفاء، وما شابه ذلك من قيم، فضلاً عن ذمّ الكذب والخداع والقتل وكل أنواع الإيذاء، إنما نشأت كلّها من أجل الحد من الذئبية البشرية ومنعها من الانفلات.
ولقد اشترك في صياغة هذه القيم، بأحكام واضحة، حكماء ما قبل الميلاد، والفلاسفة، والأنبياء، ثم صيغ بعضها لاحقاً في قوانين ملزمة للسلوك، تنظّم حياة الأفراد والجماعات.
غير أن البشرية لم تبرأ من الذئبية ومظاهرها، فما زالت الحروب، منذ نشأة المجتمعات حتى يومنا هذا، مستمرة، سواء أكانت حروباً أهلية أم حروب دول على دول أخرى. كما أن الصراعات على الثروة لم تنتهِ، بل أضيفت إليها صراعات أخرى ناتجة عن المعتقدات والأيديولوجيات الوهمية النافية لغيرها. والحق أن القوة، والمصلحة، ونزعة الهيمنة والتسلط، ما زالت أكثر التعبيرات حضوراً عن الذئبية البشرية، سواء تعينت هذه الذئبية في سياسات الدول، أم في الجماعات العنفية، أم في الأنظمة المستبدة الحاكمة.
فبعض دول شرقنا العربي غرق في محنة الاقتتال. ومن النادر أن تجد مكاناً في العالم لم يشهد شكلاً من أشكال العنف الأيديولوجي، أو القومي، أو الديني. والاستسلام لهذا الشر، كما قلنا، لا يليق بالعقل الإنساني. ولهذا فإن العقل لا يني يخوض معركة البحث عن المشترك الإنساني، وعن القيم المشتركة، والدفاع عنها، والسعي إلى تحويلها إلى نمط حياة للبشرية.
وإذا كانت الأهداف الكبرى ذات الطابع الإنساني بطيئة التحقق وصعبة المنال، فإن هذا لا ينبغي أن ينتج تشاؤماً لدى النخبة والفاعلين الاجتماعيين والسياسيين. بل على العكس، يجب أن نوطن الإرادة الخيّرة على عدم اليأس والقنوط، وأن نؤكد أن بطء تحقق السلم لا يبرر التخلي عنه.
والسؤال الحقيقي، الذي ما زال سؤالاً ممضاً، هو: كيف تأتى للأيديولوجيات، وهي نتاج العقل، أن تصبح أساساً لتحطيم القيم المشتركة بين الناس؟ وقس على ذلك: كيف صار الاختلاف الديني، بل كيف صار الدين، وهو الممتلئ بالقيم الخيّرة، أساساً للصراعات بين المختلفين؟
فقد قامت الحروب الصليبية بفعل أيديولوجيا دينية أوروبية، كما شهدت أوروبا في القرن السابع عشر حرب الثلاثين عاماً بين البروتستانت والكاثوليك. وباسم الأيديولوجيات العنصرية يخوض العنصريون حروباً ضد السكان الأصليين، وقس على ذلك.
لا شك في أن الجواب عن سؤال: لماذا الاعتداء والحروب، يبدو سهلاً عند أهل العقل، فالصراع على الثروة، والرغبة في الهيمنة ذات النزعة الإمبراطورية، وسلب الحق، كل ذلك يقف وراء ما نراه من شر. غير أن هذا الجواب، على صحته، لا يقول لنا كل شيء عن الخطاب الذي يقف وراء هذا الشر. فخطاب القتل أخطر من القتل نفسه، لأنه يمنحه معنى، ويبرره، ويحوّله من فعل إجرامي إلى فعل مشروع في وعي أصحابه.
ينطوي الخطاب المؤجج للحروب على سرديات تاريخية تجعل من الحروب ونتائجها مصدر عزة قومية أو دينية أو مذهبية، وكتب التاريخ ملأى بهذه السرديات. لكن التاريخ، في المقابل، ينطوي أيضاً على وقائع كثيرة تدل على جهود البشر في الوصول إلى التعايش السلمي. فالبشرية لا تستطيع العيش انطلاقاً من انفجار الذئبية، كما قلنا. بل إن الحروب، سواء أكانت حروباً أهلية أم حروباً بين دول، كثيراً ما انتهت بأشكال من الموافقات والمواثيق التي اصطلح على تسميتها بالدساتير والمعاهدات والصلح.
حسبنا أن ننظر إلى أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، التي حصدت عشرات الملايين ودمّرت عشرات المدن والقرى، كيف أسست لحياة السلم بين دولها. وحتى اليابان، الدولة الوحيدة في العالم التي تعرضت لقصف نووي من قبل الولايات المتحدة، تجاوزت هذه الكارثة وبنت علاقة سلم مع الدولة التي ألقت عليها القنبلتين النوويتين.
ومع أن هيئة الأمم المتحدة أُسست من أجل السلام العالمي وحق الشعوب في تقرير مصيرها، فإنها، في كثير من الأحيان، تبدو عاجزة عن لجم ذئبية بعض الدول التي تجعل من العدوان على الآخرين أساساً لسياستها.
من هنا تبرز أهمية تأسيس خطاب تاريخي متجاوز للخطابات المؤسسة للوعي الزائف بالحياة، خطاب يصوغ المشترك الإنساني على نحو يجعله قادراً على خلق نزوع إنساني نحو التعايش، بعيداً عن كل خطاب يبرر العنف والقتل والهيمنة والحروب.
كيف السبيل إلى تحقيق السلم العالمي؟ وكيف السبيل إلى تحقيق السلم بين الشعوب؟ بل كيف يمكن تحقيق السلم داخل المجتمع نفسه؟
أسئلة كهذه يجب طرحها من جديد في مؤتمرات وحوارات عالمية، سواء أكانت مؤتمرات دولية أم مؤتمرات للمجتمعات المدنية. ويبدو أن الأمم المتحدة، في صيغتها الراهنة، لم تعد قادرة على لجم الذئبية البشرية.
