قبل أكثر من شهر نشرت مجلة التايم الأمريكية القائمة السنوية ل 100 أكثر الأفراد تأثيراً في العالم. وضمت القائمة زعماء وسياسيين وصحافيين وفنانين ورجال أعمال وعلماء وأدباء. وجاء ذكر شخصيتين عربيتين فقط ضمن هذه القائمة هما صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي والأمير الوليد بن طلال. وخلال الأسبوع الماضي نشرت مجلة فورين بولسي الأمريكية قائمة مثيرة اخرى تضم 100 مثقف ومفكر وكاتب معاصر هم الأكثر نشاطاً وحضوراً وتأثيراً في العالم حالياً. وذكرت المجلة أنها اختارت هذه الشخصيات المائة من دون غيرها وفق معيار التميز والإبداع والشعبية والقدرة على تشكيل الوعي والتأثير في الرأي العام المحلي والعالمي علاوة على أنها على قيد الحياة وتمارس نشاطها حالياً.

وجاءت قائمة مجلة فورين بولسي شاملة لكافة الدول والقارات وضمت أسماء مشهورة كالروائي البريطاني سلمان رشدي، والصحافي الأمريكي توماس فريدمان، والمفكر اليساري نعوم تشومسكي، والناشطة الإيرانية شيرين عبادي، ونائب الرئيس الأمريكي السابق آل غور، والزعيم السنغافوري لي كوان يو، ورئيس الكنيسة الكاثوليكية البابا بينديكيت السادس عشر، ومنظر نهاية التاريخ فرانسيس فوكوياما، ومؤلف كتاب صراع الحضارات صموئيل هنتنغتون، علاوة على قائد القوات الأمريكية في العراق الجنرال ديفيد بترايوس وهو العسكري الوحيد في قائمة ال 100 مثقف الأكثر حضورا وتأثيراً في العالم.

كانت المنطقة العربية حاضرة في قائمة ال 100 مثقف الأكثر تأثيراً كما كانت حاضرة في قائمة ال 100 شخصية الأكثر تأثيراً في العالم. فقد ضمت القائمة ثلاثة أسماء عربية هي: الداعية الاسلامي المصري الدكتور يوسف قرضاوي الذي يحمل حالياً الجنسية القطرية، والذي وصفته المجلة بأنه شديد التأثير والحضور في الوسط الاسلامي السني من خلال اطلالاته الأسبوعية عبر قناة الجزيرة. وجاء الداعية الاسلامي عمرو خالد ثانياً والذي وصف بأنه رجل أعمال وداعية ويحمل شهادة في المحاسبة وله تأثيره الواسع في الوسط الشبابي في المنطقة العربية. كما ضمت القائمة أيضاً الدكتور سري نسيبة الناشط الفلسطيني وأستاذ الفلسفة ومدير جامعة القدس.

التمثيل العربي في قائمة ال 100 مثقف الأكثر تأثيراً وحضوراً في الحياة العامة مقتصر على المثقف الداعية وهو أمر لا يتكرر في أية منطقة أخرى في العالم. فقائمة ال 100مثقف الأكثر نشاطاً هي قائمة أكاديمية في المقام الأول وتضم 66 أكاديمياً وأستاذاً جامعياً من شتى التخصصات العلمية والانسانية من الذين لهم مؤلفات وإبداعات ومساهمات فكرية ونشاطات مجتمعية محلية وعالمية. والجدير بالذكر أن أكثر المثقفين حضوراً وتأثيراً في العالم هم علماء وأساتذة السياسة وبحصة تبلغ 17% وهي حصة كبيرة من تخصص علمي واحد الأمر يطرح السؤال لماذا علماء السياسة هم الأكثر تأثيراً في الرأي العام المعاصر؟ الشريحة الثانية الأكثر تأثيراً هم علماء الاقتصاد 15%. لكن للصحافيين حضورهم الخاص بواقع 12% من اجمالي عدد المثقفين الأكثر تأثيراً في العالم ويأتي كتّاب الرأي في الصحف الأمريكية الكبرى كصحيفة نيويورك تايمز والواشنطن بوست في مقدمة الأسماء الصحافية البارزة. لكن هناك أيضاً زعماء ورؤساء دول سابقين ضمن قائمة ال 100 مثقف الأكثر تأثيراً في العالم كرئيس جمهورية التشيك السابق فاكلاف هافل، والرئيس البرازيلي السابق فرناندو كاردوزو، ورئيس وزراء روسيا سابقاً ايغور جقيدار.

أما من حيث التوزيع وفق المناطق فقائمة ال 100 مثقف الأكثر تأثيراً في العالم هي أمريكية بامتياز. إذ 37% من المثقفين الأكثر تأثيراً في العالم هم من الولايات المتحدة الأمريكية. وتأتي أوروبا، بكل ثقلها الحضاري والجغرافي وعدد دولها البالغ 37 دولة في المرتبة الثانية بحصة 30%، ثم آسيا 12% معظمهم من الهند والصين. والغريب في الأمر خلو القائمة من أسماء يابانية. وبقدر ما أن القائمة أمريكية هي أيضاً ذكورية جداً. فإن 92 من المثقفين الأكثر تأثيراً في العالم هم من الرجال من دون النساء. الحضور النسائي في القائمة كان متواضعاً جداً ولا يتجاوز ثماني شخصيات نسائية تأتي في مقدمتهن شيرين عبادي الحاصلة على جائزة نوبل ودرو فوست مديرة جامعة هارفرد سابقاً والصحافية المكسيكية الما غوليرموبريتو، والبرلمانية الهولندية من أصل صومالي إيان علي، والمدافعة عن البيئة سونيتا نارين من الهند، والفيلسوفة الأمريكية مارثا نوسبوم، علاوة على سامنثا بور الصحافية الأمريكية التي كانت من اقرب المستشارين للمرشح الرئاسي الأمريكي باراك اوباما في مجال السياسة الخارجية.

تطرح قائمة ال 100 مثقف الأكثر تأثيراً في العالم عدة اشكالات حول حضور المثقف العربي والخليجي في الحياة العامة. فمن المفرح حضور يوسف القرضاوي وعمرو خالد، فهما يمثلان الفكر الديني المعتدل بدلا من اسامة بن لادن وايمن الظوهري اللذين يمثلان التطرف والتشدد والعنف وقد فقدا بريقهما وتراجع تأثيرهما وفق معايير هذه المجلة. لكن هذا الحضور المكثف للمثقف الداعية يطرح السؤال المشروع حول اين هو الاديب والمفكر والصحافي والاكاديمي والناشط السياسي العربي الذي يحمل رسالة ويدافع عن قضية ويخوض معركة الحداثة والحرية والاستنارة والعدالة؟ هل المنطقة العربية فقيرة في انتاج المثقفين غير الدعاة الذين هم الأكثر تأثيراً في الرأي والوعي العام العربي ويستأثرون بحصة الاسد في وسائل الاعلام العربية؟

ثم اين هو المثقف الخليجي؟ فقائمة ال 100 شخصية الأكثر تأثيراً في العالم تضم شخصيتين خليجيتين لكن قائمة ال100 مثقف الأكثر تأثيراً لا تحتوي على اي مثقف من الخليج العربي رغم الثقل الثقافي والمالي والاعلامي الضخم لهذه المنطقة. ولا يشفع لهذه المنطقة وجود الداعية يوسف القرضاي الذي يحمل الجنسية القطرية. هل المنطقة عاجزة عن انتاج مثقف واحد له حضوره وتأثيره الذي يوازي حضور الزعماء والاثرياء ورجال الاعمال الذين يملكون الملايين؟ اين هو المثقف الاماراتي والاديب العماني والمفكر الكويتي والاكاديمي البحريني والصحافي القطري والناشط السياسي السعودي؟

مهما كان سر غياب المثقف الخليجي، فالأمر يدعو للتفكير في وضع قائمة عربية، وأخرى خليجية وثالثة محلية بحثاً عن المثقف الأكثر حضوراً في الحياة العامة. المطلوب من جهة ثقافية عربية أو خليجية تبني هذه المهمة ووضع قائمة ب 100 مثقف على قيد الحياة هم الأكثر حضورا في الحياة العامة العربية. والسؤال الآخر الذي يستحق التفكير الجماعي هو لو تم وضع مثل هذه القائمة من سيكون له شرف الدخول فيها؟ هل ستكون مقتصرة على المثقف الداعية وسيكون على رأسها مجددا الشيخ الدكتور يوسف قرضاوي؟

وأخيرا هل يمكن وضع قائمة ب 10 مثقفين فقط وليس 100 مثقف الأكثر تأثيراً في الحياة العامة في الامارات التي هي ثاني أكبر اقتصاد في المنطقة العربية وتعيش طفرة عمرانية استثنائية؟ وفي حالة وضع مثل هذه القائمة من سيكون له شرف الدخول فيها، ابناء وبنات الامارات ام ابناء وبنات الجاليات؟

[email protected]