عرفات الأول هو الرئيس الراحل الذي حوصر في مقره في المقاطعة التي تحولت إلى زنزانة والتحقيق في أسباب رحيله لم ينته بعد، رغم أن ضوء الشمس تسلل إلى ضريحه بعد أن تم الكشف عنه لأخذ عينات من عظمه . وعرفات الثاني هو الأسير الذي توفي بعد أقل من أسبوع من اعتقاله، والتحقيق أيضاً مستمر حول أسباب وفاته . فالسلطة الوطنية تقول إنه عذب حتى الموت وسلطات الاحتلال تزعم أنه أصيب بنوبة مفاجئة .

من قتل عرفات الرئيس ومن قتل عرفات الأسير؟ الإجابة تأتي من وراء القضبان ومن ذلك المرتفع الاستيطاني الذي يحاصر البلاد والعباد .

هذا التزامن بين تحقيقين حول رحيل عرفاتين، أحدهما رئيس والآخر أسير ليس دراماتيكياً فقط، بل هو بمثابة قرينة جديدة على تسميم الرئيس عرفات .

والذي قاله شارون ذات يوم أن موته يحتاج إلى مساعدة من جنرال، وتلك حكاية أخرى، قد تصلح لفيلم سينمائي، لكن من يسطو على الواقع يريد أن يسطو أيضاً على الحلم، لهذا بقيت قضية اليهودي المجند درايفوس الذي اتهم بخيانة فرنسا أمثولة الميديا التي تحترف التزوير .

فهذا اليهودي الفرنسي أسقط جمهورية، وهناك من يؤرخون لميلاد المثقف بالمفهوم العصري بدءاً من موقف الرأي العام من درايفوس . والهولوكوست بمجمله هو صورة مكبرة لأي حدث من هذا الطراز .

أما المفارقة فهي أن هناك إعلاماً ينجح في جعل الحبة قبة مقابل إعلام مشلول يحول القبة إلى ما هو أقل من حبة .

عرفات الأسير الذي استشهد بسبب التعذيب هو مجرد اسم حركي لعشرة آلاف أسير منهم من قضى ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا، لا الموقف ولا صلابة الانتماء .

إن ما يجري للأسرى بعيداً عن الشهود وضوضاء الفضاء المحتل هو قتل يتكرر في كل لحظة، بل هو تنكيل لأن هؤلاء أشبه بالشهداء الأحياء ومنهم من حكم عليه بأعوام هي أضعاف عمره منذ المهد إلى اللحد .

إن من قتل عرفات الأول لن يثنيه أي رادع عن قتل عرفات الثاني والثالث حتى المليون .

لكن هؤلاء الأسرى في عقر وطنهم يعيشون أقسى أيامهم بين التناسي والنسيان، وما من إلحاح جدي على تحريرهم قبل أن يفوت الأوان، ويخرجوا من الزنازين في توابيت بحجة أنهم أصيبوا بنوبات قلبية أو فشل كلوي رغم أن الفشل الأنكى هو الفشل الوطني .

ولم تكن الصهيونية لتتمادى على هذا النحو وتمتد أخطبوطياً لولا أنها تعرف حجم ومدى ردود الأفعال على ما تقترف من جرائم، قليل من الشجب وكثير من تبادل الإدانات ثم يسدل الستار .

وبلغت سادية القتلة أنهم نشروا تفاصيل اغتيال الشهيد خليل الوزير في تونس في اللحظات التي فتح فيها قبر ياسر عرفات، وكان هذا التوقيت مثيراً بقدر ما هو كاشف عن استخفاف واستهانة .

وقد ينتهي التحقيق لمعرفة سبب رحيل عرفات الرئيس وعرفات الأسير بإدانة القتلة الذين أضافوا الاغتيال إلى استراتيجية الاحتلال والاستيطان والترانسفير بالتقسيط .