صدرت مؤخراً دراسة مثيرة عن البنك الدولي ومركز دراسات الاقتصادات الإفريقية حول دور كلٍ من الجشع والتظلّم في التسبب بالحروب الأهلية .
في هذه الدراسة، التي وضعها كل من بول كوليير وأنك هوفلر، نُبحر في محيط بعيد نسبياً عن عالم الصراعات الثقافية والإيديولوجية وحتى الطبقية التي يقال عادة إنها السبب في نشوب النزاعات الأهلية المسلحة، لندخل في مملكة سرية وضبابية اسمها الجشع .
فقد أجرى الباحثان دراسة حول أسباب الحروب الأهلية في الفترة بين 1960 و،1999 قارنا فيها بين عامل التظلّم من الفروقات الإثنية والدينية والسياسية والطبقية، وعامل الجشع الناجم عن تمويل الحروب الأهلية من مصادر مختلفة، فتوصلا إلى نتيجة بأن الجشع تفوق أهميته التظلم إلى حد كبير .
ووفقاً لهذه النظرية الجديدة، فإن تمويل حركات التمرد في العالم الثالث، خاصة في إفريقيا، من مصادر الثروات الطبيعية (معادن كريمة ونفط وغيرها)، ووجود جالية مهاجرين كبيرة في الخارج تقوم بدعم منظمات التمرد المسلح، يزيدان إلى حد كبير من مخاطر اندلاع النزاعات الأهلية .
هذه الدراسة مهمة لأن الحروب الأهلية في هذه الأيام باتت شائعة أكثر بكثير من الحروب بين الدول . ففي عام 1999 وحده، تم تسجيل 27 نزاعاً مسلحاً كبيراً على النطاق العالمي، اندلعت كلها داخل الحدود الوطنية ما عدا اثنين منها . وبالتالي، فإن فهم ليس فقط الدوافع الحقيقية لهذه الحروب بل أيضاً أسباب استمرارها وتواصلها، أصبح يُعتبر مهماً وضرورياً .
وهنا تُطل نظرية الجشع الجديدة برأسها لتقدّم تحليلاً مقنعاً حول كيفية تحوّل التمويل الخارجي والداخلي إلى سبب ونتيجة: سبب (أو على الأقل أحد الأسباب الرئيسة) لاندلاع الحروب الأهلية، ونتيجة، لأن الحرب تستمر بعد ذلك على رغم إرهاق المجتمع، بسبب استمرار تدفق الأموال على نخب ميليشياوية محددة .
إنه اقتصاد الحروب، الذي يجب أن يُطلق عليه في الواقع اقتصاد المآسي التي تضرب مجتمعاً من المجتعات لصالح مجموعات صغيرة تعتاش على هذه المآسي .
هل ثمة نماذج على نظرية الجشع هذه؟
صحيفة الغارديان وجدت واحداً: لبنان . فهي أحصت الأموال التي تدفقت على لبنان منذ نشوب أزمته السياسية عقب اغتيال رفيق الحريري عام ،2005 ووجدتها كالتالي: 500 مليون دولار من الولايات المتحدة لتمويل تيار 14 آذار، و200 مليون دولار سنوياً من إيران لحزب الله، و50 مليون دولار إضافية منها لميشال عون، ونصف بليون دولار من ثلاث دول لتمويل الحملات الانتخابية عام 2009 لكلٍ من تياري 8 و14 آذار، وهذه كانت أكثر من نفقات الحملات الانتخابية الأمريكية بنحو 77 مرة (قياساً بنسبة عدد السكان) . هذا علاوة على الأموال الغزيرة التي تنفقها أجهزة الاستخبارات المختلفة (بما في ذلك بالطبع المخابرات الإسرائيلية) لتمويل تنافساتها الضارية في لبنان .
الآن، إذا ما طبقنا نظرية بول كوليير وأنك هوفلر في الجشع، فإننا سنتساءل: هل من مصلحة الأطراف اللبنانية المتصارعة إنهاء النزاعات في لبنان، إذا ما عنى ذلك توقف المدد المالي؟
سؤال غير بريء، أليس كذلك؟
[email protected]