الثورة التي شهدتها مصر وتونس، وتشهدها حالياً ليبيا تنعطف اليوم بحضارة الإنسان، وتسقط مسلماتها وقواعدها وإيديولوجياتها وأنظمتها، وتردم هوة كانت تفصل بين الشعب والدولة . فالدولة هي صورة الشعب، والأحداث هي التي تصنع الشعب، وهي وحدة الروح، وإن كل الأحداث العظمى في التاريخ هي في الواقع من عمل الشعوب، وإن الفعل هو الذي يغير من روح الفاعل لوحدة الشعور أو الحس الجماعي، وهو الجوهر والأساس، وتقاس حيوية الشعب وفعالياته دائماً بمدى عمق الشعور بالوحدة وسيادة العزيمة وسيطرة الإرادة القوية العملية . وتشكل الحرية الوسيلة الوحيدة للانبعاث الأخلاقي والتجدد الروحي، حيث اعتبر الرئيسان الأمريكي باراك أوباما والفرنسي نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون أن الحرب وكوارثها تشكل حكماً مرعباً وأليماً على المدنية، ومخاضاً ضرورياً لولادة حضارة جديدة في الوطن العربي، لأن الحضارة ليست شيئاً عظيماً، بل إنها بكليتها شيء لا يمثله أي شيء آخر في هذا العالم، فهي النقطة التي يسمو عندها الإنسان فوق قوى الطبيعة ويصبح مبتكراً ومبدعاً عندما تولد اللحظة التي تستيقظ لها روح كبيرة وتنفصل عن الروح الأولية، وينبثق المحدود عن اللامحدود .
ولا خلاف أن الناس خلال الأزمات الكبرى يبدون الاهتمام الشديد بقراءة الدراسات والتحليلات الواسعة والعميقة لكبار رجال السياسة والمفكرين، وهكذا نرى اليوم أن الأخطار التي تهدد الحضارة ترغم الناس في كل مكان وأكثر من أي وقت مضى على تشخيص علل تلك الأفكار والأخطار بغية التصدي لها ومعالجة أمرها واستئصال أسبابها، الأمر الذي يمثل الشرط الأساسي لحفاظ البشرية على بقائها، ولا سيما أنها تعيش في عصر تجاوزت أممه وشعوبه مرحلة التعاون إلى مرحلة التكامل .
وهكذا فإن المواضيع التي طرحها الرؤساء الثلاثة في مقالهم الذي نشر في الصحف العالمية تتناول القضايا الكبرى للعالم والمجتمع وطبيعة الشخصية في القانون الإنساني حينما قالوا إنه لا يمكن للعقل أن يتصور أن من حاول ارتكاب مجزرة ضد شعبه يلعب دوراً في حكومته مستقبلاً، وإذا ما قبل العالم بهذه الترتيبات فسيواجه أفراد الشعب الشجعان الذين صمدوا في وجه قوات استهدفهتم بالهجمات من دون شفقة ولا رحمة بعملية انتقامية رهيبة، وسيكون في ذلك خيانة فوق ما يتصوره العقل للشعب الليبي . وتابعوا علاوة على ذلك، لن تكون ليبيا مجرد دولة منبوذة فحسب بل دولة مارقة أيضاً، فقد وعد القذافي بشن هجمات إرهابية ضد السفن والطائرات المدنية، ونظراً لأنه فقد القبول بين أفراد شعبه فإن أي اتفاق لإبقائه في السلطة سيؤدي إلى المزيد من الفوضى والخروج على القانون . مشيرين إلى أنه ليس بمقدور أوروبا والمنطقة ولا العالم مشاهدة تحول ليبيا إلى ملاذ آمن للمتطرفين على أطراف حدودنا . فهناك طريق نحو السلام يعد بأمل جديد للشعب الليبي، وحينها يمكن البدء بعملية حقيقة للتحول من الدكتاتورية إلى عملية شمولية دستورية، بقيادة أجيال جديدة من القادة في ليبيا .
إن الأمم المتحدة والدول الأعضاء فيها يدعون لمساعدة الشعب الليبي، وبناء ما تم تدميره، وترميم البيوت والمستشفيات، وإعادة المرافق والخدمات الأساسية، ومساعدة الليبيين في بناء المؤسسات، وتعزيز أسس مجتمع مزدهر ومنفتح، ينتخب قادته ويكتب الفصل الجديد في تاريخ ليبيا بعد أن يتحرر من النظام التوتاليتاري (الاستبدادي) الذي قام منذ أربعين عاماً على إخضاع الفرد للدولة إخضاعاً كلياً والسيطرة الصارمة على جميع مجالات حياة الأمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية .
فهذا الشعب يساق بشبابه وتاريخه كما يشاء القذافي ويهوى، بمعنى أن كل شيء مهيأ لرضاه وحاشيته وأنجاله الذين يعتقدون أن الشعب مجرد قطيع، لهم الحق في أن يبطشوا به كل هذا البطش، ولكن لم يكن أحد يتصور أن يبلغ الجنون إلى هذا الحد والمدى .
فلقد ذهلت البشرية من هذه الصدمة العنيفة التي تقوم على حتمية مريرة شرسة، وهي ترى القذافي يقصف المدن بالطائرات والصواريخ والمدافع والدبابات وقاذفات الطائرات، ويغرق بدماء الأبرياء من أبناء وطنه، ويعمل على إشاعة التشاؤم الذي هو استنكار وإنكار صارخ لإدارة الحياة وفوضى لا معنى لها ولا مفهوم، ليجعل من شعبه مشرحة يتم فيها الدفن، وينسف بالغرور والتدمير الجنوني وبشكل عبثي كل غاية من الحياة وبصورة ديالكتيكية لاعتقاده بأنه فوق قانون الفكر والواقع .
لا جدال الآن في أن انتصار الغاية العليا من الحياة الإنسانية على الأبواب، أنها قوة المصير والشرف واحترام النفس، إنه الانتصار على التعدي بين عالم الضرورة وبين عالم الحرية وبين عالم الطبيعة والإنسان، ونسف غياهب الماضي إلى المستقبل المشرق السابح في لمعان النهار . فاليوم ليس له أمس لأنه بداية الزمان والمكان والمادة، إنها إرادة الحياة، إرادة شباب الثورة، وهي الحقيقة الحقيقية الأساسية القادرة على الحس بالوعي التي بدأت بالفردية، وانتهت بالحرية الجماعية لعوامل فاعلة في حياة المجتمع والسيرورة في صورتها الجوهرية والواقعية الحرة القادرة على الاختيار وتكييف المصير للتقدم في الحاضر والمستقبل .
* كاتب من الإمارات