كان لنظرية فوكوياما دويٌّ هائل في الأوساط العالمية كافة عندما قال إن الديمقراطية الرأسمالية هي نهاية التاريخ وأن البشرية مهما اختلفت في آرائها فإنها ستبقى متفقة على أن الديمقراطية الرأسمالية الليبرالية هي الإيديولوجية الوحيدة لأمم الأرض كافة، بينما تنطلق اليوم أصوات في دول الديمقراطيات الغربية تحذر وتنذر من الخطر الإسلامي وتقول، إن الخطر الإسلامي لا يزال قائماً وأنه أشدّ بكثير من خطر الشيوعية وهو يتمثل في الإسلام والتنظيمات الاجتماعية الإسلامية التي تسعى للقوامة على البشرية.
فقد أصدرت مؤسسة بروكينغز للطباعة في الولايات المتحدة كتاباً بعنوان مسيرة الحرية غير الثابتة: الدور الأمريكي في بناء الديمقراطية للكاتبة الأمريكية تامارا كوفمان. وتسعى هذه الكاتبة إلى حضّ الولايات المتحدة على جعل عملية تحويل الدول العربية إلى الديمقراطية هدفاً أكثر مركزية في سياستها تجاه المنطقة العربية، بدعوى أن الديمقراطية العربية حيوية لتفادي كوارث سياسية محتملة.
وقد بددت الكاتبة المخاوف من أن عملية التحويل إلى الديمقراطية ستجلب أعداء لأمريكا والغرب في المنطقة. وقد تتسبب في تقوية الإسلاميين وهم المعارضون الوحيدون الذين يزدهرون من الدول الإسلامية. ومن الضروري أن تدعم الولايات المتحدة الإصلاحات لتتمكن من تقديم المساعدة لعناصر معارضة أخرى لتواجه الإسلاميين، وستكوِّن هذه العناصر ليبرالية علمانية.
ولا شك أن هذا الكتاب ينضح بالحقد والاستهزاء بهذه الأمة وبكل ما تمثّله من تاريخ وحضارة وثقافة. فالعرب، ومن وجهة نظر هذا الكتاب، ليسوا أكثر من قطيع في سلوكهم الواقعي، وأن هذا الواقع يجب ألاّ يستمر، لا من أجل أن تتم معاملة العرب كبشر، بل لكي ينعم الغرب بالراحة والسلام، لأنه من بين كل بلاد العالم ليس هناك من يُقلقهم سوى المنطقة العربية. ولهذا
يجب فرض الديمقراطية بالقوة على هذه المنطقة.
والواقع أن أي باحث منصف لن يفاجأ بهذا الموقف العنصري الواضح الذي يتبناه بعض المفكرين الغربيين ضد الشعوب العربية والإسلامية، والذي ينطلق من حقد دفين يغمر قلبها ضد كل ما هو عربي ومسلم. وهذا الحقد مرده إلى تلك المواجهة الكبرى المفتوحة بين العرب والصهاينة ليس في فلسطين فقط بل في العالم أجمع. فهم في كل مكان يعملون على خدمة إسرائيل وازدهارها، وقد استغلوا القوة العالمية لتنفيذ مآربهم هذه. لكن رغم كل الدعم الغربي، فالصهاينة في فلسطين لا يشعرون بالأمان، لا لأن العرب أقوياء، وإنما لأن الإسرائيليين دائماً في حالة خوف وترقّب. ففي قلب كل صهيوني في مستعمرات إسرائيل الخوف والقلق، ومن أجل جعل هؤلاء الخائفين يشعرون بالأمان كان يجب إما قتل الشعوب العربية كلها، أو تجزئة هذه الشعوب وتفرقتها بحيث يقاتل الأخ أخاه والجار جاره فينينشغل العرب ببعضهم. ولأن قتل العرب أجمعين يمثّل جريمة لا يقدر أحد على احتمالها، فقد ابتدعوا فكرة نشر ما يسمى الديمقراطية في العالم العربي، وبالقوة إذا لزم الأمر، لإثارة الخلافات المذهبية والعرقية بين العرب لتشتيت شملهم.
لقد دفع الصهاينة الغرب إلى اتخاذ الخطوة الأولى في هذا الاتجاه من خلال احتلال العراق. وأدى هذا العدوان إلى تدمير الدولة العراقية وإلى قتل أكثر من مليون عراقي وتشريد ملايين آخرين وتقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات طائفية وعرقية. وبعد أن نجحوا في تدمير العراق، صاغوا في عام 2004 ما يسمى مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يدعو إلى ضرورة إحداث التحوّل الديمقراطي في العالم العربي والإسلامي الممتد من المغرب حتى باكستان. ولا شك أن هذا المشروع يحمل العداء المباشر لكل الحكومات العربية والإسلامية من دون استثناء، لأنه يريد إشاعة الفوضى، ونشر الخلافات، وإيجاد زعامات طائفية ومذهبية وعرقية، وإقامة دويلات صغيرة مكان الدول العربية الحالية. ورغم الانهيار الاقتصادي الذي أصبح يعانيه العالم، فإنَّ الصهاينة ما زالوا مصرّين على المضي في مشروعهم لتحطيم العالم العربي والإسلامي باسم الديمقراطية. وكتاب تمارا بمجموعة الموضوعات التي يحتويها والتعقيبات التي يتضمنها، نموذج واضح لهذا الحقد المطلق على الشعوب العربية والإسلامية.
كاتب من الإمارات