عانت مجمل الدول الإفريقية من ويلات الاحتلال الغربي منذ أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حيث تعرّضت شعوبها لأفظع الجرائم، فيما نهبت خيراتها وثرواتها، ممّا كان له الأثر السلبي على مسارها السياسي والتنموي الذي عمّقت جراحه ظروف الحرب الباردة، رغم حصول الدول الإفريقية على استقلالها.
وقد زاد من حدّة معاناة شعوب القارة، ما خلّفته النظم الاستعمارية من تمييز عنصري، إضافة إلى انتشار الأوبئة والأمراض والفقر والجفاف، وتفشي الصراعات الداخلية المسلّحة وتعاقب الانقلابات وانسداد الآفاق السياسية في عدد من الأقطار.. كما لا تخفى تداعيات الديون الخارجية وما خلفته من إكراهات اجتماعية واقتصادية كبرى من فقر وبطالة.. شكّلت أرضية لاندلاع الاحتجاجات وتزايد المطالب الداعية للتغيير.
شهدت الكثير من البلدان الإفريقية نزاعات دامية (ساحل العاج، ورواندا وكينيا، وسيراليون، والكونغو، ونيجيريا، وبوروندي)، وخلّفت آثاراً إنسانية واقتصادية وبيئية خطيرة، بل وأدت إلى تهديد السلم والأمن الدوليين، مع تدفق اللاجئين عبر الحدود..
شكلت الصراعات العرقية والإثنية والدينية عاملاً أساسياً في عرقلة التحول في دول القارة التي تحفل بمكوناتها الاجتماعية والثقافية، بما انعكس على تكوين وأداء الأحزاب السياسية التي ظلت تقوم في غالبيتها على أسس عرقية وإثنية، بدل الارتكاز إلى البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. وقد فتحت هذه العوامل مجتمعة باب التدخلات الأجنبية التي عمقت المشاكل والصراعات..
رغم تراجع نسبة الانقلابات وتزايد العمليات الانتخابية، لا تخلو تجارب التحول في إفريقيا من ارتدادات وصعوبات (تزوير الانتخابات وخرق حقوق الإنسان..)، فقد شهدت مالي صراعاً عنيفاً على السلطة في بداية التسعينات، ما أدى إلى إسقاط حكم الرئيس «موسى تراوري» وبعد فترة تم انتخاب «ألفا عمر كونارى» بتاريخ 9 يونيو/حزيران من عام 1992 كأول رئيس منتخب بشكل ديمقراطي بالبلاد، بعد عدة عقود من هيمنة المؤسسة العسكرية على السلطة بالبلاد.
وفي أواخر الثمانينات من القرن المنصرم شهدت كينيا أحداثاً دامياً، بعدما عمدت القوات الأمنية باستهداف المعارضة، الأمر الذي ولّد استياءً دولياً وبخاصة من الجانبين الأمريكي والأوربي اللذان هدّدا بوقف المساعدات عن هذا البلد. وهو ما مهّد لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في بداية التسعينات. وفي عام 1997 وفي أجواء الاستعداد لتنظيم الانتخابات العامة، اندلعت الصراعات والاقتتال من جديد ما أسفر عن سقوط عدد كبير من الضحايا.
شهدت البلاد خلال السنة نفسها، اعتماد دستور تضمن مجموعة من المستجدات والمكتسبات.. ورغم ذلك، لم يحدث تطور كبير على مستوى تداول السلطة؛ حيث ظل «حزب كانو» هو المهيمن والمسيطر على المشهد السياسي.
وفي عام 2002 شهدت البلاد بوادر تحوّل ديمقراطي مهم، بعدما توجهت المعارضة نحو التكتل والتنسيق، وهكذا أحدث «الاتحاد الوطني من أجل التغيير» من قبل ثلاثة أحزاب قبل أن تلتحق به مجموعة من الفعاليات الحزبية والسياسية المعارضة ليتم تغيير اسمه إلى الاتحاد الكيني الوطني. وهو ما مهد لوصول «مواي كيباكي» إلى الرئاسة بعد انتخابات رئاسية وبرلمانية جرت في ظروف أفضل بكثير من سابقاتها.
تشير التجارب الإفريقية ما بعد الحرب الباردة إلى أهمية المؤتمرات كسبيل للتغيير السلمي وتحقيق التحوّل نحو الديمقراطية (بنين، والكونغو..) والتي تتم غالباً تحت ضغط شعبي، كما لا تخفى تأثيرات المشروطية الدولية والضغوطات الخارجية في هذا السياق؛ حيث بدأت الكثير من الدول المانحة (فرنسا..) والمؤسسات المالية والاقتصادية (البنك وصندوق النقد الدوليين..) تفرض شروطاً تقضي بدعم الإصلاحات السياسية والاقتصادية، في مقابل استمرار تدفّق المعونات والمساعدات والقروض لهذه الأقطار..
على امتداد عقد من الزمن بعد نهاية الحرب الباردة، بادرت أكثر من ثلاثين دولة إفريقية إلى اعتماد إصلاحات سياسية مهمة، توجت بإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، كما اعتمدت دساتير ديمقراطية (رواندا عام 1991 وأوغندا عام 1995 ونيجيريا عام 1999..)، تضمنت مقتضيات أقرّت بالتعددية الحزبية والسياسية ودعمت الحقوق والحريات وإرساء مبدأ الفصل بين السلطات..
وتستأثر التجربة السياسية الجنوب- إفريقية بأهمية كبيرة لدى الباحثين والمهتمين بقضايا الديمقراطية بالقارة السمراء، ذلك أن هذا البلد الإفريقي تمكّن من طي صفحة أليمة من تاريخه، ليفتح صفحة جديدة راكم من خلالها تجربة واعدة لعب في مسارها الزعيم «نيلسون مانديلا» بكفاءته ورمزيته دوراً كبيراً، حيث اقترن التحوّل في هذا البلد الخارج مجروحاً من تجربة التمييز العنصري، بالمصالحة وطيّ صفحات الماضي بأسلوب متدرج لم يخل من صعوبات ومن إيجابيات هذه التجربة..
تشهد إفريقيا في الوقت الراهن مجموعة من التجارب السياسية الواعدة، تقودها نخب جديدة بدينامية عالية، حقّقت نسب نمو مهمة، طوت معها تلك الصورة النمطية التي ظلت تربط إفريقيا بالمجاعات والأوبئة والتخلف والانقلابات..
يصطدم التحول السياسي في عدد من دول القارة بمجموعة من الإكراهات في علاقة ذلك بتدبير التنوع العرقي والديني والإثني الذي تحفل به مجتمعات القارة، وبمخلفات الاستعمار وضعف البنيات التحية وتفشي الفقر والأمية والبطالة والفساد.. والتي تغذّي الهجرة واللجوء والتطرف.. في عدد من المناطق.
د.إدريس لكريني
[email protected]
وقد زاد من حدّة معاناة شعوب القارة، ما خلّفته النظم الاستعمارية من تمييز عنصري، إضافة إلى انتشار الأوبئة والأمراض والفقر والجفاف، وتفشي الصراعات الداخلية المسلّحة وتعاقب الانقلابات وانسداد الآفاق السياسية في عدد من الأقطار.. كما لا تخفى تداعيات الديون الخارجية وما خلفته من إكراهات اجتماعية واقتصادية كبرى من فقر وبطالة.. شكّلت أرضية لاندلاع الاحتجاجات وتزايد المطالب الداعية للتغيير.
شهدت الكثير من البلدان الإفريقية نزاعات دامية (ساحل العاج، ورواندا وكينيا، وسيراليون، والكونغو، ونيجيريا، وبوروندي)، وخلّفت آثاراً إنسانية واقتصادية وبيئية خطيرة، بل وأدت إلى تهديد السلم والأمن الدوليين، مع تدفق اللاجئين عبر الحدود..
شكلت الصراعات العرقية والإثنية والدينية عاملاً أساسياً في عرقلة التحول في دول القارة التي تحفل بمكوناتها الاجتماعية والثقافية، بما انعكس على تكوين وأداء الأحزاب السياسية التي ظلت تقوم في غالبيتها على أسس عرقية وإثنية، بدل الارتكاز إلى البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. وقد فتحت هذه العوامل مجتمعة باب التدخلات الأجنبية التي عمقت المشاكل والصراعات..
رغم تراجع نسبة الانقلابات وتزايد العمليات الانتخابية، لا تخلو تجارب التحول في إفريقيا من ارتدادات وصعوبات (تزوير الانتخابات وخرق حقوق الإنسان..)، فقد شهدت مالي صراعاً عنيفاً على السلطة في بداية التسعينات، ما أدى إلى إسقاط حكم الرئيس «موسى تراوري» وبعد فترة تم انتخاب «ألفا عمر كونارى» بتاريخ 9 يونيو/حزيران من عام 1992 كأول رئيس منتخب بشكل ديمقراطي بالبلاد، بعد عدة عقود من هيمنة المؤسسة العسكرية على السلطة بالبلاد.
وفي أواخر الثمانينات من القرن المنصرم شهدت كينيا أحداثاً دامياً، بعدما عمدت القوات الأمنية باستهداف المعارضة، الأمر الذي ولّد استياءً دولياً وبخاصة من الجانبين الأمريكي والأوربي اللذان هدّدا بوقف المساعدات عن هذا البلد. وهو ما مهّد لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في بداية التسعينات. وفي عام 1997 وفي أجواء الاستعداد لتنظيم الانتخابات العامة، اندلعت الصراعات والاقتتال من جديد ما أسفر عن سقوط عدد كبير من الضحايا.
شهدت البلاد خلال السنة نفسها، اعتماد دستور تضمن مجموعة من المستجدات والمكتسبات.. ورغم ذلك، لم يحدث تطور كبير على مستوى تداول السلطة؛ حيث ظل «حزب كانو» هو المهيمن والمسيطر على المشهد السياسي.
وفي عام 2002 شهدت البلاد بوادر تحوّل ديمقراطي مهم، بعدما توجهت المعارضة نحو التكتل والتنسيق، وهكذا أحدث «الاتحاد الوطني من أجل التغيير» من قبل ثلاثة أحزاب قبل أن تلتحق به مجموعة من الفعاليات الحزبية والسياسية المعارضة ليتم تغيير اسمه إلى الاتحاد الكيني الوطني. وهو ما مهد لوصول «مواي كيباكي» إلى الرئاسة بعد انتخابات رئاسية وبرلمانية جرت في ظروف أفضل بكثير من سابقاتها.
تشير التجارب الإفريقية ما بعد الحرب الباردة إلى أهمية المؤتمرات كسبيل للتغيير السلمي وتحقيق التحوّل نحو الديمقراطية (بنين، والكونغو..) والتي تتم غالباً تحت ضغط شعبي، كما لا تخفى تأثيرات المشروطية الدولية والضغوطات الخارجية في هذا السياق؛ حيث بدأت الكثير من الدول المانحة (فرنسا..) والمؤسسات المالية والاقتصادية (البنك وصندوق النقد الدوليين..) تفرض شروطاً تقضي بدعم الإصلاحات السياسية والاقتصادية، في مقابل استمرار تدفّق المعونات والمساعدات والقروض لهذه الأقطار..
على امتداد عقد من الزمن بعد نهاية الحرب الباردة، بادرت أكثر من ثلاثين دولة إفريقية إلى اعتماد إصلاحات سياسية مهمة، توجت بإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، كما اعتمدت دساتير ديمقراطية (رواندا عام 1991 وأوغندا عام 1995 ونيجيريا عام 1999..)، تضمنت مقتضيات أقرّت بالتعددية الحزبية والسياسية ودعمت الحقوق والحريات وإرساء مبدأ الفصل بين السلطات..
وتستأثر التجربة السياسية الجنوب- إفريقية بأهمية كبيرة لدى الباحثين والمهتمين بقضايا الديمقراطية بالقارة السمراء، ذلك أن هذا البلد الإفريقي تمكّن من طي صفحة أليمة من تاريخه، ليفتح صفحة جديدة راكم من خلالها تجربة واعدة لعب في مسارها الزعيم «نيلسون مانديلا» بكفاءته ورمزيته دوراً كبيراً، حيث اقترن التحوّل في هذا البلد الخارج مجروحاً من تجربة التمييز العنصري، بالمصالحة وطيّ صفحات الماضي بأسلوب متدرج لم يخل من صعوبات ومن إيجابيات هذه التجربة..
تشهد إفريقيا في الوقت الراهن مجموعة من التجارب السياسية الواعدة، تقودها نخب جديدة بدينامية عالية، حقّقت نسب نمو مهمة، طوت معها تلك الصورة النمطية التي ظلت تربط إفريقيا بالمجاعات والأوبئة والتخلف والانقلابات..
يصطدم التحول السياسي في عدد من دول القارة بمجموعة من الإكراهات في علاقة ذلك بتدبير التنوع العرقي والديني والإثني الذي تحفل به مجتمعات القارة، وبمخلفات الاستعمار وضعف البنيات التحية وتفشي الفقر والأمية والبطالة والفساد.. والتي تغذّي الهجرة واللجوء والتطرف.. في عدد من المناطق.
د.إدريس لكريني
[email protected]