صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
إدريس لكريني
​باحث أكاديمي
أحدث مقالات إدريس لكريني
12 مايو 2026
الذكاء الاصطناعي ومستقبل العلاقات الدولية

لم تتوقف تأثيرات الذكاء الاصطناعي فقط على مجموعة من المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية والعلمية، بل تجاوزت ذلك لتطال العلاقات الدولية كحقل معرفي، وكتفاعلات اجتماعية.

فقد ألحقت الثورة التي أحدثها هذا الذكاء في مختلف مناحي الحياة الاجتماعية تغيرات جذرية طالت علم العلاقات الدولية الذي ينحو إلى تفسير الظواهر الدولية (حرب، وسلام، وردع، وقوة، وتحالفات..) وبناء نظريات بصددها، ثم التنبؤ بمآلاتها. حيث تسبب في إعادة صياغة مفهوم القوة، وفتح المجال لعدد من دارسي هذا الحقل من العلوم الاجتماعية بتطوير نظرياتهم ومقولاتهم على ضوء هذه المتغيرات المتسارعة.

وهكذا وفر هذا الذكاء تقنيات ومعطيات جديدة، أسهمت بشكل كبير في بلورة مفاهيم حديثة أثرت بصورة واضحة في المقتربات التقليدية للعلاقات الدولية، كما هو الأمر في توسع مفاهيم الأمن والردع والقوة. فالمدرسة الواقعية أصبحت تستحضر فرص الذكاء الاصطناعي كمقوم أساسي ضمن منظورها لقوة الدول، فيما أصبحت المدرسة البنائية تنظر إلى هذا الذكاء لا باعتباره وسيلة تقنية فقط أو محدداً من محددات القوة، بل كعنصر مساهم في إعادة تشكيل الهويات والمناهج والأفكار التي تؤطر العلاقات بين الدول.

ومن جهتها باتت المدرسة الليبرالية تولي اهتماماً كبيراً للتكنولوجيا الحديثة، وتنظر إليها كمقوم أساسي لإرساء التعاون الدولي، وتعزيز الجودة في أداء المؤسسات الدولية، مع دعوتها إلى بلورة ضوابط قانونية وأخلاقية تؤطر استخدام التكنولوجيا بشكل عام.

أما نظرية ما بعد الاستعمارية التي ترى في النظام الدولي القائم، امتداداً لعلاقات الهيمنة التي ظلّت سائدة في فترات الاحتلال الأجنبي، فقد ركزت ضمن مقارباتها على ما يسميه روادها ب«الاستعمار الرقمي» الذي يكرّس للتبعية واتساع الفجوة في هذا المجال.

وارتباطاً بالعلاقات الدولية، كتفاعلات اجتماعية، أسهم الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة بشكل عام في تشبيك العلاقات الدولية أكثر، بعدما أحدث قفزة كبيرة على مستوى التواصل الدبلوماسي، ونقله من الأساليب التقليدية المألوفة إلى أساليب متطورة منحتها شبكات التواصل الاجتماعي زخماً كبيراً.

وقد أضحى امتلاك ناصية هذه التقنيات عاملاً داعماً لمكانة ووزن الدولة في محيطها الخارجي، بل عنصراً فاعلاً ضمن عناصر القوة الناعمة الكفيلة بتحقيق مصالح الدول بسبل أكثر فاعلية واستدامة. كما أن امتلاك بنيات أساسية رقمية أضحى عاملاً مهماً لتعزيز الأمن والنفوذ على المستويين الإقليمي والدولي.

وقد أضحت الشركات الضخمة المتخصصة في التكنولوجيا الحديثة، فاعلاً مؤثراً في العلاقات الدولية، بالنظر إلى تأثيراتها وحجم معاملاتها على الصعيد الدولي.

ومع ذلك، يطرح الذكاء الاصطناعي تحديات كبرى، تفرض تعزيز الأمن الرقمي الذي أضحى جزءاً لا محيد عنه ضمن عناصر الأمن بمفهومه الإنساني الشامل، وأبرز أهمية تطوير قواعد القانون الدولي حتى تواكب التطورات الحاصلة في العمليات العسكرية الجديدة التي أصبحت تستخدم فيها التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي بشكل مكثف (اتخاذ القرارات المستقلة، الطائرات المسيّرة، والحروب الإلكترونية).

وعلى مستوى آخر، يمكن للذكاء الاصطناعي، وانطلاقاً من المحتويات الرقمية المتاحة بشبكات الإنترنت، أن يكرّس الهيمنة الثقافية والقيمية التي تدعم التوجهات الغربية.

حقيقة أن الذكاء الاصطناعي يوفر فرصاً حقيقية فيما يتعلق بالحد من المخاطر والتهديدات العابرة للحدود، والمساهمة في حوكمة تدبير الأزمات والكوارث الطبيعية على المستويات الوطنية والدولية، لكنه في المقابل يطرح مخاوف حقيقية من أن تهيمن الخوارزميات على اتخاذ القرارات الدولية، مما يفقدها حسّها الإنساني. فيما تتزايد هذه المخاوف مع توجه الدول الكبرى نحو إدماج الذكاء الاصطناعي في الأسلحة الذاتية التشغيل، أو اندلاع سباق دولي محموم نحو توظيف هذا الذكاء في المجال العسكري، إضافة إلى تزايد إمكانية استغلاله في عمليات الاحتيال ونشر الإشاعات والأخبار المضللة، وهو سيسهم في تعميق الأزمات الدولية وتهديد سيادة الدول.

وبين دول كبرى (كالولايات المتحدة والصين وروسيا) تتنافس بشأن تطوير التكنولوجيا الحديثة وامتلاك عناصر التحكم في مآلاتها المدنية والعسكرية، يبدو أن الفجوة الرقمية ستزداد عمقاً في عدد من دول العالم التي لم تعِ بعد أهمية وحيوية التحول الرقمي وبالفرص الواعدة التي يختزنها الذكاء الاصطناعي.

3 مايو 2026
الذكاء الاصطناعي وأخلاقيات البحث العلمي

اعتُبر البحث العلمي من أهم الأنشطة الإنسانية التي تقوم على اعتماد مناهج وضوابط محددة بهدف التوصل إلى نتائج دقيقة، تسهم في حل مشكلات وقضايا المجتمعات. وتمثل الجامعات والمؤسسات البحثية فضاءات لتسليح الطلاب والباحثين بالمنهجية العلمية، وبأصول البحث وأخلاقياته، والتي تكفل ركوب غمار الكتابة والبحث بقدر من الموضوعية، والكفاءة، والثقة.

وفي هذا الإطار، تستأثر أخلاقيات البحث العلمي بقدر كبير من الأهمية، وهي تقوم على مجموعة من القيم والمبادئ الإنسانية التي ينبغي على الباحث التحلي بها، بما يعزز مصداقية وموضوعية البحث العلمي ويدعم جودته.

ويُعد احترام ضوابط الأمانة العلمية من ضمن أهم المظاهر المجسّدة لأخلاقيات البحث العلمي، وتحيل إلى الإشارة إلى مصدر المفاهيم، والإحصاءات، والمعطيات المعتمدة، ثم الالتزام بطرح النتائج والخلاصات المتوصل إليها، من دون زيادة أو نقصان.

وتمثل طفرة الذكاء الاصطناعي محطة مفصلية في مسارات البحث العلمي، ففي الوقت الذي توفر فيه إمكانات وفرصاً واعدة لتطوير العلوم وتسريع عمليات البحث، فإنها تضعه أيضاً أمام محك يهدّد مقومات الأمانة العلمية.

فمن جهة أولى، يتيح الذكاء الاصطناعي الاستفادة من التطورات التقنية الكفيلة بتسهيل عمليات البحث، خصوصاً في ما يتعلق بتطوير مناهج البحث، وتسريع عمليات جمع وتصنيف المعلومات والإحصاءات، وتحويلهما إلى رسوم بيانية وخرائط وجداول، إضافة إلى المساعدة في تعزيز البحوث الاستشرافية من خلال تحليل هذه المعطيات، والتنبؤ بمآلات الأوضاع والظواهر المختلفة، علاوة على توفير محركات ذكية للترجمة تتيح وصول الباحثين من مختلف الجنسيات إلى المعلومات، بغضّ الظر عن إتقانهم للغات أخرى.

كما يتيح تدقيق المعلومات وكشف التناقضات الواردة بشأنها، كما يمكن لتوظيفه بشكل دقيق ومحسوب أن يحدّ من الهفوات المنهجية والموضوعية التي يمكن للباحث أن يسقط فيها.

وتشير الكثير من الدراسات إلى أن الذكاء الاصطناعي يسهم من خلال عدد من التطبيقات الإلكترونية في كشف السرقات العلمية، إلا أن النتائج المحصلة في هذا الصدد تظل نسبية، إلى حد ما، ما يجعل باب لجوء البعض إلى ارتكاب هذه السرقات متاحاً.

أما من جهة أخرى، فقد فتح الذكاء الاصطناعي الباب مشرعاً أمام تهديد أخلاقيات البحث العلمي، بخاصة في ما يتعلق بالمسّ بمتطلبات الأمانة العلمية، فقد شجع البعض على اقتراف السرقات والاحتيال العلميين، عبر انتحال الأفكار التي يولدها هذا الذكاء، الاستناد إلى مراجع وهمية، كما أسهم في تسطيح البحث العلمي، وإفراغه من بُعده الإنساني والاجتماعي وما يتصل بهما من نقد وإبداع، بناء على الاعتماد المبالغ فيه على التكنولوجيا الحديثة، كما أن النتائج العلمية المبنية على الذكاء الاصطناعي ومعطياته غالباً ما تتأثر بطبيعة المحتويات الرقمية التي تجسد رؤى محددة تجاه مختلف القضايا، الاجتماعية والاقتصادية والتقنية، بما يفقدها قدراً من الموضوعية التي تمثل الزاوية الأساسية للبحث العلمي.

إن الثقة العمياء بالبينات والمعطيات التي يقدمها الذكاء الاصطناعي تضع الباحث أمام مسؤوليات أخلاقية وقانونية في حال ثبوت عدم صحة هذه المعطيات، كما يحول دون الاطلاع على المضامين العميقة للمراجع التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم تقارير ملخصة بشأنها، إضافة إلى قتل المهارات الفردية المرتبطة بالنقد والتحليل والتوقّع.

إن توجيه الذكاء الاصطناعي بما يخدم البحث العلمي ويدعم مصداقيته ويحدّ من سبل توظيفه بصور احتيالية، هي مسؤولية جماعية، تتوقف في جزء كبير منها على اتخاذ مجموعة من التدابير الي تتمحور حول توخي الباحث واستحضاره لشروط أخلاقيات البحث العلمي، في علاقة ذلك، باحترام الضوابط العلمية، عبر الحرص على توخي الدقة، والإشارة إلى مصادر المعلومات والمفاهيم المعتمدة، ثم الإشارة، بدقة، إلى كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي في عملية البحث، واحترام الخصوصية، وتوخي الموضوعية في مقاربة مختلف الإشكالات والمواضيع، إضافة إلى الالتزام بالمسؤولية إزاء الأخطاء المحتمل ارتكابها، وعدم إلصاقها بالتكنولوجيا.

لا شك في أن الذكاء الاصطناعي يوفر فرصاً مهمة في مختلف المجالات، ومن ضمنها البحث العلمي، غير أن استعماله بلا رقيب، أو وازع أخلاقي، أو ضوابط قانونية، أو بشكل مبالغ فيه، يمكن أن يلغي عقل الإنسان، ويتحول بذلك من وسيلة إلى بديل، ويفضي إلى كوارث حقيقية.

[email protected]

19 أبريل 2026
الرياضة بين التسامح والكراهية

تقترن الرياضة عادة بالأخلاق والحوار والتواصل بين الشعوب، فقد شكلت المناسبات الرياضية فرصة لإبراvز التنوع الحضاري والثقافي العالميين، والتحسيس بقضايا إنسانية وحقوقية وبيئية عبر العالم.

كما لعبت أدوراً طلائعية على مستوى التقريب بين الأمم وتوفير المناخ الديبلوماسي السليم للحد من الأزمات والصراعات، فقد برزت خلال السنوات الأخيرة مجموعات منظمة ضمن ما يعرف «بالألتراس» تعطي لهذه التظاهرات زخماً وتأثيراً كبيرين.

وفي الوقت الذي أضحت فيه الملاعب خصوصاً تلك الخاصة بكرة القدم تحظى بمتابعات ومشاهدات واسعة عبر العالم في أوساط عدد من الفئات الاجتماعية، بفعل النقل المباشر للمقابلات الذي تقوده مجموعة من القنوات الفضائية الدولية المتخصصة، أضحت الرياضة مقوماً مهماً ضمن مقومات القوة الناعمة التي تسهم في تعزيز السلام العالمي وتذليل الخلافات السياسية، وتعزيز التقارب بين الشعوب، ودعم مشاريع التنمية.

وفي هذا السياق، أصبحت الكثير من الملاعب تعج بالشعارات واللافتات التي لا تخلو من حمولات إنسانية وسياسية وثقافية، كثيراً ما أسهمت في تحويل هذه اللحظات الرياضية إلى قنوات للترافع بشأن عدد من القضايا الإنسانية والاجتماعية والبيئية والسياسية التي لا تحظى باهتمام الإعلام التقليدي..ومع ذلك، لم تخل هذه الفعاليات في كثير من الأحيان من انحرافات ومظاهر من العنف والشغب، جعلها تتحول إلى ما يشبه منصات لتصريف سلوكات مشينة وإلى لحظات لتصريف مواقف عنصرية ومتطرفة، بفعل الشحن الإعلامي الذي تقع فيه مجموعة من وسائل الإعلام التي تتبنى مصطلحات وتعابير عسكرية كالهجوم والمعسكر التدريبي، والانتقام، والإصابة، والخطط الاستراتيجية، والمواجهة المصيرية..، ما يوحي للمتلقي وكأن الأمر يتعلق بمواجهة عسكرية.

ففي كثير من اللقاءات الرياضية، تتعالى بعض الهتافات التي تشكل إهانة للاعبين من جنسيات وأقليات معينة، وهو ما يؤثر بشكل سلبي على نفسية اللاعبين، وعلى مردودهم داخل الميادين، كما لا تخفى التأثيرات النفسية والاجتماعية التي تتمخض عن هذه السلوكات، بالنسبة للجماهير.

إن تصاعد هذه الخطابات ونسفها لملتقيات رياضية وتحويلها إلى فضاءات لتكريس العداء والأحقاد والكراهية، يجد أساسه في التجييش الإعلامي خاصة من خلال شبكات التواصل الاجتماعي الذي يرافق هذه التظاهرات، وضمن عدد من البرامج الإعلامية.

كما أن انتشار هذه السلوكات في عدد من الميادين الرياضية، هو تعبير عن تصاعد العداء ضد الأجانب خاصة داخل أوروبا بفعل الخطابات التي تعتمدها الكثير من الأحزاب والتيارات اليمينية المتطرفة إزاء الأجانب والهجرة بشكل عام، وهو ما يمثل خطراً على القيم النبيلة التي ترسخها الرياضة بشكل عام.

هناك توجهات جدّية وطنياً وإقليمياً ودولياً للحد من هذه الممارسات، التي أصبحت تواجه بعقوبات جنائية، وأحياناً بوقف المقابلات الرياضية، بعدما كان الأمر يقتصر في السابق على الغرامات المالية فقط. ونشير في هذا الصدد إلى أن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، اتخذ تدابير زجرية في مواجهة هذه السلوكات داخل الملاعب، حيث فرض غرامات مالية ضد عدد من الاتحادات الوطنية بسبب ممارسات عنصرية لبعض الجماهير داخل الملاعب، إضافة إلى إيقاف بعض اللاعبين بسبب تورطهم في هذه السلوكات.

إن مواجهة هذه المظاهر المسيئة، يسائل مختلف قنوات التنشئة الاجتماعية من إعلام ومؤسسات تعليمية ومجتمع مدني وأحزاب سياسية، كما يفرض سن تشريعات صارمة لأجل مناهضة هذه الممارسات المقيتة، علاوة على تفعيل الاتفاقيات الدولية ذات الصلة (الاتفاقية الدولية لمناهضة التمييز العنصري التي اعتمدت في عام 1965 ودخلت حيز التنفيذ عام 1969).

كما يمكن للأندية الرياضية بدورها أن تتخذ تدابير صارمة في مواجهة المتورطين في مثل هذه السلوكات، من خلال فرض غرامات على المعنيين بها من لاعبين وفرق، وتنظيم مباريات من دون جمهور، علاوة على إطلاق برامج للتوعية في هذا الشأن. وهو ما سيسمح حتماً بجعل الرياضة وسيلة أساسية لبناء شخصية متوازنة للشباب، كفيلة بمواجهة التطرف والعنف والكراهية، وترسيخ قيم الحوار والتسامح والتواصل والاحترام المتبادل بين الشعوب.

12 أبريل 2026
هل انتهى زمن القانون والمؤسسات الدوليين؟

د. إدريس لكريني

تزايدت الخطابات والمواقف التي أصبحت لا تتوانى في التقليل من أهمية القانون والمؤسسات الدوليين في ظل الخروقات التي ترتكب من قبل عدد من الدول الكبرى.
يحرّم القانون الدولي اللجوء إلى استخدام القوة أو مجرد التهديد باستعمالها في العلاقات الدولية، ويؤكد ضرورة الاستناد إلى الآليات السلمية في معالجة الأزمات وتسوية النزاعات عبر مختلف السبل الدبلوماسية والقضائية، فيما تتيح المادة ال 51 من ميثاق الأمم المتحدة للدول ممارسة حقها في الدفاع الشرعي الفردي والجماعي عن نفسها، في حال تعرضها لهجوم عسكري، ويسمح من جهة أخرى لمجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة باتخاذ الإجراءات الزجرية اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين. فيما تسعى قواعد القانون الدولي الإنساني إلى الموازنة بين الضرورة العسكرية والحماية الإنسانية.
وارتباطاً بمختلف التهديدات العابرة للحدود من إرهاب وجريمة منظمة، هناك الكثير من الاتفاقيات الدولية التي تضع إطاراً للحد من هذه المخاطر (مكافحة الإرهاب، والجرائم المنظمة العابرة للحدود)، كما لا تخفى أهمية التعاون القضائي الدولي، وبخاصة فيما يتعلق بتسليم المجرمين وتبادل المعلومات المرتبطة بهذا الشأن، بالإضافة إلى مختلف الاتفاقيات التي تدعم الأمن الرقمي.
وقد شكل إحداث المحكمة الجنائية الدولية حدثاً عالمياً مهماً على طريق تعزيز العدالة الجنائية الدولية والحد من الإفلات من العقاب، وبخاصة فيما يتعلق بمتابعة المتورطين في ارتكاب جرائم خطِرة كجرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب وجريمة العدوان.
يبدو أن القانون الدولي يمرّ بمرحلة مفصلية في ظل الواقع العالمي الراهن، بالنظر إلى توالي الخروقات التي تطول بنوده، وبخاصة على مستوى فرض منطق قانون القوة على حساب قوة القانون، وعجز هذا القانون عن مواكبة الكثير من التطورات التي أحدثها بروز مما يسمى ب«الحروب الهجينة»، وتزايد التهديدات غير الدولاتية، أي تلك المخاطر التي تسببها أطراف من غير الدول، كما هو الشأن بالنسبة للجيوش الخاصة أو الجماعات الإرهابية، أو تلك الناجمة عن تلوث البيئة والجرائم الرقمية..
ومع تصاعد حدة الانتهاكات التي أصبحت تلحق بقواعد القانون الدولي خلال العقود الأخيرة، وبخاصة بعد اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا، وتوالي الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة، والحرب على إيران، وقيام هذه الأخيرة باستهداف عدد من دول الجوار، مما تسبب في عدد من الخسائر البشرية، واستهداف عدد من البنى التحتية المدنية، بدأت الكثير من الأسئلة تثار بشأن مستقبل القانون الدولي، وحول مدى قدرت على كسب رهانات السلم والأمن في واقع دولي سمته الصراع والأزمات والحروب، بل هناك من الباحثين والمختصين من ذهب إلى حد اعتبار هذه المحطات هي بمثابة منعطف حقيقي يعكس بداية انهيار القانون الدولي والأمم المتحدة. خصوصاً وأن هذه الأحداث مجتمعة كشفت هوة عميقة بين مقتضيات القانون الدولي ومبادئ وأهداف وقرارات الأمم المتحدة من جهة، وتطبيقاتها الميدانية إقليمياً ودولياً من جهة أخرى.
إن استمرار الكثير من الانتهاكات دون ردّ، يعطي الانطباع وكأن هناك نوعاً من التطبيع مع استخدام القوة في العلاقات الدولية، وتهميش الآليات الدولية لتسوية النزاعات وتدبير الأزمات، ذلك أن الكثير من التدخلات العسكرية أصبحت تتم خارج نطاق تفويض مجلس الأمن بفعل استخدام حق الفيتو أو التهديد باستعماله، وبعيد عن مقتضيات قراراته ذات الصلة، أو تبرر بممارسة حق الدفاع الشرعي ضمن تفسير ضيق لا يخلو من انحرافات للمادة ال 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
تتزايد المخاوف أمام هذا الواقع الدولي المرتبك، الذي يحيل إلى شلل المؤسسات الدولية في مواجهة هذه المخاطر والتحديات، وعدم قدرة القانون الدولي على مواكبة التحولات الدولية المتسارعة بإشكالاتها العسكرية والرقمية والبيئية والإنسانية، وتنامي صور الكيل بمكيالين التي تعكس تطبيقات انتقائية للقانون الدولي، بما يكرس تخوفات جدية لدى دول الجنوب في مقابل استهتار عدد من دول الشمال بعمل المؤسسات الدولية وبمقتضيات القانون الدولي العام.
من الصعب جداً أن نحسم الجدل بالقول ببساطة: إن القانون الدولي أو المؤسسات الدولية قد انهارا أو في طور الانهيار، رغم أزمة الشرعية التي يمران بها، فلا تخفى أهمية القانون الدولي في تنظيم عدد من القطاعات والمجالات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية والتجارية.. في عالم متطور سمته التشابك والاعتماد المتبادل، كما لا يمكن غضّ النظر عن الجهود التي تبذلها المنظمات والهيئات الإقليمية والدولية العاملة في مجالات الأمن والاقتصاد وحقوق الإنسان والتنمية في هذا الصدد، ونستحضر من جانب آخر جهود المحاكم الدولية، كما هو الشأن بالنسبة لمحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية في مجال تطبيق القانون الدولي.
إن العجز عن تطبيق القانون الدولي الإنساني يكرس الإفلات من العقاب، بما يفرض إصلاح الأمم المتحدة و«دمقرطتها»، وكذا تطوير مقتضيات القانون الدولي.
[email protected]

27 مارس 2026
الحرب والشّرخ الاستراتيجي الأمريكي - الأوروبي

د. إدريس لكريني

أصبحت تداعيات الحرب الإيرانية تلقي بظلالها على العالم، بعدما أصرت طهران على استهداف جيرانها وتهديد أمن الملاحة الدولية، كمدخل لخلط الأوراق، حيث بدأت الحرب تأخذ منحنيات أكثر خطورة.
وتأتي الدول الأوروبية على رأس قائمة الدول الأكثر تضرراً من ارتفاع أسعار الطاقة بفعل إغلاق مضيق هرمز، بينما الولايات المتحدة فتتوفر على احتياطات هائلة في هذا الخصوص.
وسط كل هذه التطورات المتسارعة، وأمام توجه الولايات المتحدة لإشراك عدد من حلفائها التقليديين في هذه المعركة، بدواعي الدفاع عن مصالح مشتركة، وبخاصة فيما يتعلق بتأمين الملاحة في مضيق هرمز، تباينت ردود الفعل الأوروبية إزاء هذه الدعوة، بين من عبر عن استعداده لتأمين الملاحة الدولية عبر المضيق هرمز سلمياً من دون إقحام حلف شمال الأطلسي في الموضوع، وبين من عبّر عن تحفظه في هذا الخصوص مثل إسبانيا وفرنسا وكندا باعتبار الحرب لا تمثل مصالحها، علاوة على التخوف من «الانعكاسات الخطِرة» للحرب.
وعموماً، يبدو أن بعض الدول الأوروبية استفادت بشكل كبير من تجربة الحرب الروسية في أوكرانيا، بعدما وجدت نفسها الضحية الأولى لعقوبات فرضتها على موسكو بإيعاز من واشنطن. فقد وجدت نفسها - كما هي حال عدد من دول العالم - متأثرة بشكل سلبي، وبخاصة على المستوى الاقتصادي، بسبب هذه الحرب التي تجري من دون أن يؤخذ رأيها مسبقاً حول دوافع وأهداف هذه الحرب، واعتباراً لتأثيراتها في أسعار سوق الطاقة (الغاز والنفط).
ولذلك امتنعت الدول الأوروبية عن المشاركة العسكرية المباشرة في هذه المواجهة التي اتخذت أبعاداً غير محسوبة. وهو ما اعتبره ترامب جحوداً وتنكراً لأفضال الولايات المتحدة على أوروبا بحمايتها من الفاشية والنازية خلال الحرب العالمية الثانية، ومن التمدد الشيوعي في فترة الحرب الباردة، مشيراً إلى أن موقفها الرافض ستكون له آثار كبيرة على مستقبل حلف شمال الأطلسي وعلى الأمن الأوروبي بشكل عام.
وأمام هذه التطورات وما يرافقها من تباين في المواقف، يطرح السؤال حول مستقبل العلاقات الأمريكية – الأوروبية، وما إذا كانت هذه الأخيرة ستستقل بمواقفها وتوجهاتها الاستراتيجية، وتبني علاقة شراكة متوازنة مع واشنطن، أم ستخضع مرة أخرى للتبعية الأمريكية سياسياً واقتصادياً وأمنياً.
إن الهوة الاستراتيجية مرشحة لكي تزداد اتساعاً بين عدد من البلدان الأوروبية من ناحية والولايات المتحدة الأمريكية من ناحية أخرى. فالحرب الراهنة ستؤثر بشكل كبير في مسار مثيلتها في أوكرانيا، وخصوصاً مع انشغال الولايات المتحدة بتبعات المواجهة مع إيران، واستفادة روسيا من نقص الدعم المالي والعسكري لأوكرانيا لتعزز ضغطها على هذه الأخيرة، علاوة على استفادتها الكبيرة من ارتفاع أسعار النفط الناجم عن إغلاق مضيق هرمز. وإضافة إلى قيام الولايات المتحدة على تعليق العقوبات المفروضة على النفط الروسي لفترة تمتد لشهر كامل، كمحاولة منها لسد النقص القائم على مستوى الإمدادات النفطية تحت ضغط التطورات العسكرية الأخيرة.
ففي الوقت الذي بدأ يقتنع فيه الكثير من الدول الأوروبية الكبرى كألمانيا وفرنسا بضرورة إرساء استراتيجية أمنية أوروبية مستقلة عن الولايات المتحدة في ظل هذه الظروف التي تعكس تقلباً في المواقف الأمريكية، بما قد يؤثر في أمنها ومصالحها بفعل التمدد الروسي، تزايدت المخاوف الأمنية في أوساط دول أوروبا الشرقية (سابقاً) بفعل الانشغال الأمريكي بهذه الحرب، ما قد يعزز الطموحات الروسية لاستعادة أمجاد الاتحاد السوفييتي.
وتحيل هذه التطورات مجتمعة إلى إمكانية تراجع أهمية حلف شمال الأطلسي لصالح بناء تحالف يعكس الدفاع عن الأمن الأوروبي خارج المظلة الأمريكية، ويدعم تعزيز الإنفاق العسكري والسباق نحو التسلح في أوروبا، كسبيل لإرساء قدر من التوازن والردع في مواجهة روسيا.
لقد شكل الكثير من الأزمات والحروب الدولية محطات لإعادة رسم الخريطة الدولية، وإعادة صياغة التحالفات، وإحداث مؤسسات دولية جديدة، كما مثلت مناسبات لإرساء نظام دولي جديد.
إن انشغال الولايات المتحدة بالحرب مع إيران بتداعياتها الإقليمية والدولية، وتصاعد أزمة الثقة بين أوروبا وأمريكا، سيفرز حتماً تحالفات وتموقعات جديدة تعمق الشرخ الاستراتيجي- الأمريكي.

[email protected]

3 مارس 2026
الإقليم العربي وتحديات الداخل والمحيط

د.إدريس لكريني

يشهد العالم تبدلات عالمية متسارعة في الوقت الراهن، تقترن بتصاعد الأزمات السياسية، والمعضلات الاقتصادية والأمنية، إضافة إلى توالي المخاطر الناشئة العابرة للحدود والمتصلة بالتكنولوجيا الحديثة وتغير المناخ وتمدد الإرهاب، زيادة على تبدلات النظام الدولي الراهن.
ويبدو أن نظريات العلاقات الدولية التقليدية والسبل الكلاسيكية لتدبير الأزمات والنزاعات (نظام الأمم المتحدة) لم تعد قادرة على مواكبة هذه المتغيرات المعقدة، التي تغير فيها مفهوما القوة والأمن.. وفي خضم هذا المناخ الدولي المعقد بتحولاته الجيوسياسية العميقة، يتجدد طرح مجموعة من الأسئلة حول طبيعة المخاطر التي تواجه المنطقة العربية، وكذا السبل الاستراتيجية الكفيلة بمواجهتها.
فأمام التحولات البنيوية التي يشهدها العالم ارتباطاً بتغير موازين القوى، في ظل الطموحات الروسية والصينية لإرساء نظام دولي تعددي، وبروز تحالفات وتموقعات دولية وإقليمية جديدة، (تنافس اقتصادي واستراتيجي واستقطاب عالمي) بعد الحرب في أوكرانيا، وتصاعد الخلافات الأوروبية – الأمريكية بصدد عدد من الملفات الإقليمية والدولية، كالحرب في أوكرانيا، وتطورات القضية الفلسطينية، والأمن الأوروبي..، علاوة على تراجع الخطابات القومية على حساب الأولويات الاقتصادية والأمنية، وتأثر الاقتصاد العالمي (أسعار الطاقة والمواد الأولية) بالنزاعات العسكرية الجارية (الحرب في أوكرانيا والنزاع في اليمن..)، بالإضافة إلى تصاعد حدّة التنافس على الممرات البحرية والثروات الباطنية.
رغم كل هذه التطورات، لم تستوعب مجمل دول المنطقة ما يجري، فما زال النظام الإقليمي العربي متردياً، رغم تغير مركز الثقل العربي من دول تقليدية تحت ضغط الأزمات السياسية والأمنية المتلاحقة، إلى دول أخرى تحظى بإمكانيات مالية واقتصادية وطاقية وباستقرار سياسي وتحرك دبلوماسية مكثف وفاعل.
وأمام تدهور أداء جامعة الدول العربية، واستثمار الوضع من قبل قوى إقليمية أخرى كتركيا وإيران وإسرائيل، أضحى الإقليم العربي من ضمن أكثر المناطق المعنية بارتفاع نسبة المخاطر بكل أصنافها.
فعلى مستوى التهديدات الأمنية والجيوسياسية، وزيادة على النزاعات الحدودية القائمة بين عدد من الدول العربية، تفاقم الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني بصورة أثّرت بشكل كبير في أمن واستقرار المنطقة، حيث طالت الحرب على غزة دولاً عربية كلبنان وسوريا واليمن والعراق، فيما يضع التوتر القائم حالياً بشأن الهجوم الأمريكي - الإسرائيلي على إيران والهجمات الإيرانية على دول الخليج المنطقة أمام وضع صعب.
أما فيما يتصل بالمخاطر الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، فهناك تهديدات تواجه أمن الممرات البحرية ك«باب المندب» و«مضيق هرمز»، فيما تعاني دول عربية إشكالات تتهدد أمنها الغذائي والطاقي، ومن تفاقم المديونية والفقر.. وعلاقة بالكوارث والمخاطر العابرة للحدود، والتغيرات المناخية، تعتبر المنطقة معنية بتلوث البيئة وتصاعد الكوارث الطبيعية كالجفاف والفيضانات والزلازل والتصحر، كما تشهد بعض البلدان كاليمن وسوريا والسودان والصومال وليبيا انتشاراً للجماعات المسلحة، وللهجرة القسرية نتيجة لعوامل طاردة مرتبطة بالحروب الأهلية وتفشي المعضلات الاجتماعية والاقتصادية.. إن تعقد المخاطر التي تواجه المنطقة، يفرض إرساء سبل متطورة واستراتيجية، في إطار من التعاون والتنسيق، مع تعزيز التعاون الاقتصادي والطاقي. فارتباطاً بتدبير الأزمات وتعزيز الأمن الإقليمي، يتوقف الأمر على الموازنة بين الأمن القومي والأمن الإقليمي، وتوظيف الآليات السلمية التقليدية والبديلة لحلّ النزاعات.
أما فيما يتعلق بالمخاطر العابرة للحدود، فالأمر يتطلب اعتماد سبل شاملة ومستدامة لمكافحة الإرهاب وحماية البيئة، وإعطاء أولوية قصوى لتدبير المخاطر عبر اعتماد خطط استراتيجية مشتركة، وتشجيع الاستثمار في التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي، وتوظيفهما في مجال تدبير المخاطر، واستحضار البعدين الاجتماعي والاقتصادي ضمن الاستراتيجيات الأمنية (مدخل التنمية)، واستثمار الآليات المستدامة لمواجهة المخاطر كتقوية المؤسسات وتعزيز التنمية.

[email protected]