ليس في الأمر مبالغة على الإطلاق، حين نسأل: هل هنالك رأي عام إماراتي؟ بمعنى أدق، ما هو المزاج الشعبي تجاه القضايا الملحة والرئيسة؟ وما هي اتجاهات أبناء الشعب الإماراتي وتوجهاتهم بشأن الموضوعات التي تخصهم، وتتعلق بحياتهم ومعيشتهم واقتصادهم وثقافتهم، وانفتاحهم؟ هل رصدت، على سبيل المثال، مؤسسة بحثية، الرأي العام الإماراتي بشأن انضمام الدولة للوحدة النقدية الخليجية؟ أو بشأن لقاح انفلونزا الخنازير؟ استطلاعات الرأي في أمريكا على سبيل المثال، أظهرت أن 52% من الشعب الأمريكي لا يحبذ أخذ اللقاح، لأنهم يشكون في جدواه؟ واستطلاعات الرأي في بريطانيا أظهرت زيادة شعبية غولدن براون في تعامله مع الأزمة الاقتصادية العالمية، ومن حق صاحب القرار أن يعرف مزاج الشعب الإماراتي بشأن قضية الجزر المحتلة، على سبيل المثال، ما هي النسبة التي تؤيد رفع الخلاف إلى محكمة العدل الدولية؟ وما هي النسبة التي تؤيد المفاوضات الثنائية؟ وما هي النسبة التي تؤيد إدارة مشتركة؟
توجد في الإمارات العربية المتحدة عشرات الجمعيات ذات النفع العام، منها ما هو اجتماعي وأدبي واقتصادي، ومنها ما هو فني وقانوني وطلابي، وغيرها، أي هنالك عمل نقابي، وجمعيات عامة ومجالس إدارة تشرف على انتخابها وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، وفي المقابل هنالك صحافة مزدهرة باللغتين العربية والإنجليزية، وهنالك كتاب أعمدة إماراتيون يكتبون في الشأن المحلي، كما توجد هيئات صحية وبيئية وتعليمية وثقافية وتاريخية وسياحية وصناعية ورياضية، وغرف للتجارة والصناعة وغيرها، وهذا يعني أن هناك دولة قائمة على المؤسسات، محلية واتحادية، ناهيك عن جمعيات المستهلك وحقوق الإنسان وغيرها، وبالتالي، هنالك عمل شعبي وعمل نخبوي له توجه ورأي خاص وعام، يزود وسائل الإعلام بالمعلومة والخبر والتحليل، كما يشارك في التحقيقات التي يجريها الصحافيون بين الفينة والأخرى حول شأن من شؤون الدولة والشعب، ولا أعتقد أن الصحافة معنية بإجراء استطلاعات رأي، لأن هذا العمل من مهام مؤسسات البحوث والدراسات، وهي التي يجب أن تلتفت إلى هذا الأمر، وترفعه للمسؤولين وتنشره في وسائل الإعلام.
إن أهمية استطلاعات الرأي تكمن في تزويد صاحب القرار بالمزاج العام للشعب والمواطنين، وبالتالي يتم اتخاذ القرار بناء على التوجهات والاتجاهات المستخلصة، كما أن استطلاعات الرأي تقوي من موقف صاحب القرار، وتعينه في مواجهة التكتلات الخارجية، وكم وددنا أن تقوم مؤسسة بحثية بإجراء استطلاع رأي حول موقف الدولة من العملة النقدية الخليجية الموحدة، وهو الموقف الذي أثار جدلا في أوساط صانعي السياسة على الصعد الإقليمية والقومية والعالمية، وكتبت المقالات والتحليلات في الصحف الأجنبية قبل العربية، إلا أن المزاج الشعبي ظل غائبا، لا أحد يعرف إن كان الشعب الإماراتي مع الانضمام للعملة الخليجية، أم ضدها، كما لا أحد يعلم المزاج الشعبي، على سبيل المثال، من مسألة تجنيس من لا يملكون أوراقاً ثبوتية، أو إعطاء الجنسية لأبناء المواطنة، أو لزوج المواطنة، بل ما هو المزاج العام من قضية التجنيس بشكل عام؟ وما هو المزاج العام، أو الرأي العام بشأن نسبة الإماراتيين إلى العدد الإجمالي للسكان، وبعض التقارير المتفائلة تقول إنه لا يزيد على 18%؟ ما هو المزاج العام بشأن المشروعات العقارية الكبرى التي تقام بقصد بيعها لغير المواطنين، والتي خلقت أزمة إيجارية مستفحلة في كل إمارات الدولة؟ ما هي النسبة التي تؤيد تملك غير المواطن للعقار؟ وما هي النسبة التي ترفض؟ لقد قامت بعض الصحف بإجراء بعض التحقيقات التي أشركت فيها القليل من المواطنين بشأن التعليم باللغة الإنجليزية، ولكن هل يعبر عشرة أشخاص عن الرأي العام؟ أعتقد أنها لا تعبر، ولن تكون الآراء حقيقية، لسبب بسيط، وهو أن المشاركين لن يقولوا رأيهم بصراحة.
نحن نعيش في عصر يعتمد كثيرا على التوجهات العامة في صناعة القرارات، وإن كان هذا الاعتماد يشوبه أحيانا بعض الشك، كأن تقوم مؤسسة بحثية بإجراء استطلاع رأي يخدم توجها معينا، إلا أن هذا لا يلغي أهمية هذه الاستطلاعات، كونها تشكل حماية ودعما لأي قرار تتخذه الحكومة في أي مجال من مجالات العمل العام والخدمات العامة، بل إن استطلاعات الرأي تعكس مدى الشفافية والحرية في التطرق لأمور تهم تفاصيل الحياة اليومية، وهي بشكل أو بآخر نوع من أنواع التعبير عن الرأي، ونوع من أنواع الديمقراطية، على الرغم من أن نتائج الاستطلاعات لا تشير إلى اسماء الناس المؤيدين أو الرافضين أو المحايدين، لأنها تشير إلى النسب فقط.
ومن جانب آخر، هنالك عدد كبير من غير المواطنين يعيش على أرض الدولة، ويستفيد من خدماتها في المجالات كافة، ما هو رأيهم العام، ولماذا لا يتم رصد توجهاتهم للوصول إلى الرأي العام غير المواطن؟ أليس في هذا خدمة لراسمي السياسات العامة؟
لقد لجأ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي الى رصد الرأي العام مستخدماً موقعا إلكترونياً عالمياً، بشأن تأجيل العام الدراسي، وتم اتخاذ القرار وفق توجهات الرأي العام، فلماذا لا تقوم المؤسسات البحثية بهذه الاستطلاعات ونشرها وتقديمها لصاحب القرار، إلى جانب ما تقوم به من ترجمات لكتب ومؤلفات قابلة للجدل؟