ما سَيَلي، عبارة عن تأمّلات وتداعيات وعصف أفكار، وقد يكون لعبة ذهنية، وأعني ما يتعلّق بالحرب التي شهدناها، فأنا، لست على ثقة من أن وقف إطلاق النار سيدوم، أو أن الحرب قادمة لا محالة، ولن أخاطر أبداً في رسم صورة مشرقة للمنطقة أو للمشهد، كما أنني لن أرسم صورة تشاؤمية، فمن جعل الحرب تتوقف خلال لحظات، يجعلها تشتعل خلال ثوان. وقولي هذا يأخذ في الاعتبار، إدراك أن الحرب لم تتوقف من تلقاء نفسها، وإنما نتيجة وساطات كبيرة بين الأطراف المتحاربة، وأن الحرب ذاتها، لن تندلع فجأة، ولكن ستمر بمخاض سهل أو عسير، وفي النهاية ستندلع.
إن ما يجعلني أفكّر بهذه الطريقة نقطتان، الأولى أن الإعلام كان ينقل ما يقوله العسكريون، وقولهم لم يكن صادقاً أو حقيقياً، والثاني، أن السياسيين لم يكونوا صادقين في تصريحاتهم، وهم قبل غيرهم، أن ما حدث لا يمكن أن يحدث إلاّ في الأفلام الهوليودية أو البوليودية. صحيح أن البعض كان يشعر، فقط، أن الرئيس الأمريكي لن ينفذ تهديده بإزالة الحضارة الإيرانية من الوجود، لكن البعض الآخر كان أكثر واقعية، وكان يظن أنه، أي الرئيس دونالد ترامب، قد يأمر بتوجيه ضربة قاسية، ولكنها لن تمحو الحضارة الفارسية.
على كل حال، اندلعت الحرب أو توقفت المفاوضات، مع صدور هذا العدد، لن يكون ضمن أهدافنا، كي نبرهنها أو ننفيها، إلا أنني أستطيع القول إن الحرب الإيرانية لن تتوقّف، نظراً لتصادم الحضارتين، وبدقة أكثر، لتصادم العقليتين، وإذا أردنا التوضيح والمباشرة نقول: إن نظام الحكم الديمقراطي الليبرالي، والذي يؤمن بالحرية الشخصية، ومنها حرية العقيدة، وحرية التديّن، وحرية المرأة، والذي يعتقد أنه أقوى دولة في العالم، لا يستطيع الانسجام والتأقلم مع نظام ديني، يؤمن بالأئمة، والثورة، وربما يؤمن باستعادة الماضي السحيق، أي يحلم بالإمبراطورية، وقد ورد هذا على لسان أحد المؤيدين للنظام الإيراني حين قال، إن دولة عمرها 270 سنة لا تستطيع أن تهزم دولة عمرها ستة آلاف سنة.
هو صراع حضاري تاريخي عقائدي كما يبدو من التصريحات والسرديات والخطابات الإعلامية، لأنه في المقابل، قال أحد المحسوبين على النظام الأمريكي إن الحرب هي بين المؤمنين والكفّار. وهكذا، أصبح المشهد معقّداً للرائي الذي يركز على القشور، لأن هناك رأياً ثالثاً يقول إن العقليتين، الليبرالية والخمينية، يمكنهما التعايش إذا تحدّثا بلغة المصالح، وإذا قدّما تنازلات في سبيل الهدف العام. فهناك من يعتقد أن نظام الملالي في إيران، قصد أو لم يقصد، فإنه يعمل من أجل المصلحة الأمريكية، وذلك لأنه السبب في زيادة أرباح الولايات المتحدة من تجارة السلاح، كما يعتقد أن النظام الأمريكي يعمل على تقوية النظام الإيراني، ويريده قوياً، في المشهد العام، لأنه يخدم المصالح الأمريكية، مباشرة أو غير مباشرة. ويبالغون في الاستنتاج بأن الولايات المتحدة تفضّل التعامل مع دولة قوية.
وفي كل الأحوال، سيبقى التنافس قائماً بين البلدين، أو سيبقى الصراع وعدم الاطمئنان سيد الموقف، من الآن فصاعداً، لأن الولايات المتحدة أدركت مدى الدعم الذي قدمته روسيا والصين لإيران، وبذلك، تكون إيران قد انضمت إلى (العدو) الأزلي للولايات المتحدة.
هناك طرح آخر غير مريح للمحلّل ويتعلق بالعلاقة الصدامية بين إيران وإسرائيل، إذ سيبقى المشهد ساخناً، طالما أن هناك حالة لا سلم ولا حرب بين الطرفين، ورسم المشهد يعتمد على ما ستفرزه الأيام القادمة، هل ستجمع طاولة المفاوضات كلا الطرفين، ويمكننا وضع جملة اعتراضية (ماذا ستفعل بيوم القدس العالمي، وتأييدها للحق الفلسطيني..وغيره).
وسنعود إلى سياقنا، بل ماذا سيفعل حزب الله في لبنان الذي يرفض المصالحة مع إسرائيل (حتى الآن). رغم أن البعض يقول إن حزب الله تفاوض أكثر من مرة مع إسرائيل، وإن بشكل غير مباشر، خاصة عندما تم تقسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل. والبعض الآخر يذهب أبعد من ذلك فيقول إن حزب الله، لا مشكلة لديه مع إسرائيل، إذا انسحبت من الأراضي اللبنانية التي تحتلها مثل مزارع شبعا في الجنوب، وهناك اتجاه آخر يقول إن إسرائيل لديها أطماع في مياه نهر الليطاني، لأنها تعاني أزمة مياه خانقة على المدى الطويل، ما يجعل الصراع مستداماً، إلاّ في ضوء ترتيبات أخرى.
ورغم كل الآراء المتفائلة أو المتشائمة، ستبقى دول الخليج تعيش قلقاً أمنياً إذا ما واصلت إيران مشروعها وخطابها التوسّعي، وهذا يعتمد على حليفتها الولايات المتحدة الأمريكية، فمثلما اشترطت إيران أن يكون حزب الله والحشد الشعبي والحوثيين ضمن الاتفاق، على الولايات المتحدة أن تشترط أن يكون أمن دول الخليج، والتعهّد بعدم الاعتداء عليها، ضمن أي اتفاق مقترح. لكن الخشية أن تتفاوض أمريكا حول اليورانيوم الإيراني وتترك باقي القضايا عالقة، لغرض في نفس يعقوب.