لكل عصر شطاره وعياروه، مثلما له دولته ورجاله، لكن عصرنا الذي سيبدو ذات يوم أشبه بالعنزة السوداء في قطيع القرون، عرف شطاراً من طراز غير مسبوق، لأنهم غيّروا أسماءهم، ومن ثم غيروا أسماء المهن التي يتسترون بها، وانتحلوا وتقمصوا أشخاصاً ليسوا من سلالتهم على الإطلاق.

والشاطر الجديد تليق مهاراته وما نسج من أقنعة وطاقيات للإخفاء بهذه المرحلة التي يزعم مؤرخوها بأنها تقع في ما بعد الحداثة، انسجاماً وتناغماً مع فلسفة المابعديات التي ودع الإنسان فيها أعز ما امتلك عبر الزمان وهو الخجل، الذي كان العلامة الفارقة الحمراء بين الآدمي والوحشي.

كان شطار الزمن الغابر يحتالون من أجل العيش، ولم يخطر ببال أكثرهم تطلعاً وحلماً أن يحل مكان النموذج الأصيل الذي يتقمصه، لكن شطار هذا الوقت تراكمت لديهم استحقاقات وهمية، بحيث يودون إعدام أو حتى إبادة كل ما يمكن أن يذكر الناس بالأصول التي يتشبهون بها، لهذا فهم احتلاليون واستيطانيون حتى لو لم يعلنوا ذلك.

وصفتهم روايات وأفلام وحكايات، وثمة أمثال شعبية اختزلت الكوميديا السوداء التي كانوا أبطالها، لكن كل هذا الوصف لا يبلغ واحداً في المائة من الحقيقة، لأن شطار الألفية الثالثة، تخدمهم التكنولوجيا. ومثلما تطور شكل الجريمة، تطورت أيضاً أساليب الشطار، وهم أخصائيون محترفون في السطو برشاقة، ولهم مهارة الحواة، لكنهم بدلاً من إخراج الأرانب من أكمام معاطفهم يخرجون الخرافة من الكمبيوتر، ويبتكرون حواسيب خبيثة تجعل الزائد ناقصاً والعكس، كيف نستدل على هؤلاء؟ وهل ثمة بوصلة تؤشر الى الجهة التي يتكاثرون فيها كالفطريات؟

هذا سؤال سوف يبقى عقيماً وبلا إجابة اذا لم يقترن بوعي يشخص الوباء، فالشطار الجدد يغيرون اساليبهم كالفيروس، ويقاومون المضادات الحيوية والأخلاقية، لأن تطوير الدواء لم ينتصر حتى الآن على قدرة الجراثيم على تطوير مناعتها.

وفي رواية عربية تحولت الى فيلم سينمائي عنوانه الشطار، حمل الكاتب هذه الزمرة مسؤولية الهزائم الكبرى، لأنهم أخطر من الأعداء.

فالعدو واضح، وله فحيح، أما هم فالأقنعة تحجب ملامحهم، ولهم ملمس ثعباني بالغ النعومة، أما الدسم الذي يفرزونه من غدد سرية فهو محشو بالسم الزعاف.

كان شطار الأمس أفاقين يبحثون عن سبل غير كريمة للعيش، لكن احفادهم، يحلمون بتغيير العالم ونواميس الكون كي يصبح السوي شاذاً والشاذ هو القاعدة الذهبية.

والأرجح أنهم نجحوا الى حد ما في ذلك، لهذا فإن كل الأشياء تبدو مقلوبة.