كم كان الزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونج بعيد النظر عندما قال في نهاية الستينات إن الصين ستتحول إلى قوة عالمية كبيرة مع حلول عام 2000 وعندما سئل عن مغزى تحديد ذلك العام بالضبط قال: في ذلك العام تكون الصين قد استعادت هونج كونج من البريطانيين، ومكاو من البرتغاليين، وعندما يحدث ذلك ستصبح عودة منشوريا وتايوان إلى البر الصيني مسألة وقت.
والصينيون يطلقون على تايوان اسم الجزيرة، أما هونج كونج فإنهم يطلقون عليها اسم الجزيرة الخضراء تيمنا. وعندنا نحن تونس الخضراء، ولبنان الأخضر، والأخضر الإبراهيمي، والكتاب الأخضر، ولكن الإخضرار عندنا يعيش في الزمن الآخر.
وهونج كونج تعني بالصينية ميناء العطر وقد حملت هذا الاسم لأنها كانت معروفة لدى البحارة الأقدمين باعتبارها ميناء رئيسيا مزدهرا تصدر الصين منه منتوجاتها إلى الخارج، ولكن كيسينجر يقول إن هذه المدينة لم تصبح على ما هي عليه من الازدهار إلا في العصر الحديث، ويضيف: إذا كانت ذاكرة هونج كونج تعود إلى التاريخ فمن باب أخذ العبر منه، ليس إلا وكان كيسنجر يعتبر الصين تنينا هائلا يمكن ان يبتلع العالم بأسره، ويقول: التنين نائم، اتركوه نائما وخلال السنوات الإحدى عشرة الماضية من عودتها للصين تغيرت أشياء كثيرة في هونج كونج التي كان الشاعر الصيني باث هوان يين يقف على أسوارها، وينظر إلى الظلال البريطانية فيها ويقول: أيتها الغنية.. أحبك.. أكرهك.. أحبك.. أكرهك، ومن الأشياء التي تغيرت أن الشارع الرئيسي في المدينة الذي كان يحمل اسم السير هنري بوتينجر، أول حاكم بريطاني للمدينة بعد سلخها عن الصين، بات يحمل اسم شارع ماو، والشارع الذي يتفرع منه ويحمل اسم موريس هيل، عالم اللغويات البريطاني الذي كان يعمل في خدمة بوتينجر، أصبح هو الآخر يحمل اسما صينيا، وكذلك جبل جون ديفيس، وشارع داريل. وداديل هذا هو السبب المباشر في سقوط هونج كونج بيد البريطانيين، بل وبنشوب حرب الأفيون التي حولت الصينيين إلى مجموعات من المساطيل الذين يعيشون في الزمن الآخر، فقد حصل داريل على امتياز احتكار تجارة الأفيون في الصين.
والصين تخلصت من تجار الأفيون، ولكنها ظلت تعاني، ولا تزال، من الشركات العملاقة التي أنشأها هؤلاء، ونمت وكبرت، حتى أصبحت عالمية. وإلا فهل يمكن أن يبيع للناس حليبا مسموما إلا تجار جمعوا أموالهم من تجارة الأفيون؟
[email protected]