الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الديمقراطية.. أزمة نظام

27 أبريل 2026 00:30 صباحًا | آخر تحديث: 27 أبريل 00:30 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
قبل أن تضع السّابقةُ النّازيّةُ في ألمانيا النّظامَ الدّيمقراطيّ، وقد خرجتْ من رحمه ومن رحم صناديقه، موضعَ سؤالٍ وشكٍّ ومراجعة، كان الفكرُ السّياسيّ اللّيبراليُّ نفسُه (الفلسفة السّياسيّة خاصّةً) قد نبَّه على ما يعتور النّظام الدّيمقراطيّ من معايبَ ومَواطن عطبٍ تكشف عن حدوده، وعن الفجوة التي تفصل واقعَه المادّيّ عن نموذجه الذّهنيّ. ما كان التّنبيهُ على تلك المغبّة استباقيّاً: مُساقاً في شكل استشرافٍ نظريّ نقديّ يقرَع به فلاسفةُ السّياسة أجراسَ إنذارٍ قصد ترشيد نظامٍ قالوا به، وبَشّر به أسلافٌ قبلهم، وإنّما هو أتى يقرأ في حصيلةِ نظامٍ شُرِعَ في تطبيقه منذ قريبٍ من قرنين، مثلما أتى يواكبه بالتّحليل النّقديّ الصّارم. ولقد شهِدنا على ذلك التّدخّل الفلسفيّ النّقديّ المُراجِع لبداهات النّظام الدّيمقراطيّ منذ ما يقارب المئة عام التي سبقت قيامَ النّازيّة وانهيارَها وانقضاضَها، بالتّالي، على ذلك النّظام وإطفاءَها بريقَه.
ما كان مدشِّنو ذلك النّقد الفلسفيّ السّياسيّ للدّيمقراطيّة وللدّولة الوطنيّة، التي نشأت في أكنافها، ماركسيّين حتّى يبلوروا مقالةً نقديّة في تلك الدّيمقراطيّة، ولا هُم ردّدوا مواقف ماركس منها ونسفوها بأدواته المفهوميّة، فلقد أتت نتائجُ الثّورات الكبرى (الإنجليزيّة، الأمريكيّة، الفرنسيّة) تميط اللّثام عن طائفةٍ لا عَدَّ لها ولا حصر من التّناقضات والنّقائض والمفارقات التي أغرت بالاستفهام، وحَمَلَت حتّى اللّيبراليّين أنفسهم على بناء موقفٍ نقديّ مما يقع لهذا النّظام الدّيمقراطيّ وباسمه. من ذا الذي يجادل في أنّ مفكِّراً مثل أليكسي دو توكڤيل واحدٌ من أبناء الثّورة الفرنسيّة ومن منتوجاتها الثّقافيّة، وأنّ جون ستيوارت مِل، ابن الثّورتين الإنجليزيّتين الأولى والثّانيّة، الذي لم يتخلّ عن اللّيبراليّة فلسفةً وخياراً سياسيّاً حتّى في عزّ نقده النّظامَ الدّيمقراطيّ؟ مع ذلك، لم يمنعهما نَسبُهما إلى تلك الثّورات من نقد النّتائج السّياسيّة التي تولّدت منهما ومن النّظام السّياسيّ الذي أنجبتْه.
كم كان دالّاً أن يَحمل النّصفُ الأوّل من القرن التّاسع عشر معه كمّاً هائلاً من النّصوص امتلأت أوصافاً وأحكاماً شديدةَ السّلبيّةِ في حقّ النّظام السّياسيّ الدّيمقراطيّ في المركزيْن الأوروبيّين الرّئيسين (فرنسا وبريطانيا)، ومن قِبل فلاسفةٍ ليبراليّين، ومن، مثلاً، وصفُ توكڤيل النّظام البرجوازيّ المنبَثق من الثّورة الفرنسيّة بأنّه نظامُ «الاستبداد الدّيمقراطيّ» ومن بعده وصفُ جون ستيوارت مِل النّظام التّمثيليّ الدّيمقراطيّ بما هو النّظام القائم على قاعدة «طغيان الغالبيّة»، فلقد تَعَاوَرَ الوصْفان/النّقدان على القول إنّ النّظام هذا لا يحمي الحقوق والحرّيّات، كما يدّعي منظّروهُ والمدافعون عنه، بل يئِدها أو يأتي عليها بأفعال الانتهاك. منذ ذلك الحين وحتّى قيام النّظام النّازيّ، تواترتِ الشّواهد على تزايُد حالات الاستنقاص الفكريّ للنّظام الدّيمقراطيّ ونقْدِ معايِبِه وبيانِ ما تُضْمِرُهُ تجاربُه المتحقّقة من تجافٍ مع النّماذج النّظريّة التي رسمها الفلاسفةُ له منذ نهايات القرن السّابع عشر.
على أنّ موْجات النّقد الفكريّ والسّياسيّ التي تَعَرّض لها النّظام الدّيمقراطيّ، منذ قريبٍ من قرنين، لم تغيِّر في شيءٍ من واقع تماسُكه واستمرارِ قدرته على التّكيّف مع أزْماته وتناقضاته واحتواء الكثير منها وإعادة تجديد نفسه. نعم، ما من شكٍّ في أنّ الشّكوك خامرت كثيرين من نقاده في مدى ملاءمتِه لمواجهة تحدّيّات كبرى جديدة ناشئة في العالم المعاصر (العولمة مثلاً) تهدّده وتهدِّد معه الدّولة الوطنيّة بالزّوال، أو في مدى مناعته في مواجهة خطر صعود اليمين الفاشيّ، رديف النّازيّة، واستيلائه «الدّيمقراطيّ» على السّلطة في قسمٍ كبير من دول أوروبا...، غير أنّ ذلك كلَّه، وعلى وجاهَته، مَا نَجح في أن ينفيَ عن هذا النّظام قابليّته الدّائمة للتّأقلم مع المتغيّرات ومدافَعَة آثارها السّلبيّة وكَفِّها عنه.
إنّ مكمَن قوّته، وهو سرّ بقائه بالتّالي، في أنّه بقِيَ يَقْوى، بأدواته الخاصّة، على تصحيح نفسه بنفسه وعلى إدارة أزْماته الدّاخليّة بنجاحٍ وعلى نحوٍ غيرِ انفجاريّ. كأنّه في هذا النّجاح والتّجدُّد يوشك أن يكون رديفاً للنّظام الرّأسماليّ في طريقته المعهودة في مغالبة التّحدّيّات الخارجيّة له، والتّناقضات الدّاخليّة المعتمِلة فيه، وفي امتصاص أزْماته وإعادة إنتاج نفسه في أصعب ظروفه.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه