تطرقنا في مقالة الأسبوع الماضي إلى تحديات يواجهها وقف إطلاق النار في إيران ولبنان، فنحن لا يمكننا الجزم بأن وقف إطلاق النار سيستمر، أو سيفسد، لأن الأطراف المتحاربة لا تكشف مخططاتها ونواياها، وهذا يشمل الولايات المتحدة، وإسرائيل، وإيران، أما لبنان، ككيان رسمي، فهو واضح، لأن لا أوراق لديه سوى مطالب تتعلق بوقف إطلاق النار، وتوقيع اتفاقية مع إسرائيل تؤدي إلى انسحاب الجيش الإسرائيلي من القرى الجنوبية، التي احتلها أو يحتلها، وعودة النازحين، على الرغم من أن نموذج غزة تم تطبيقه في بعض القرى، التي شهدت تدميراً منهجياً وتغييراً في ملامح الجغرافيا والبلدات، ولا نعلم كيف ستتعامل الحكومة اللبنانية مع الوضع الجديد. أما «حزب الله»، فيرفض المفاوضات المباشرة، كما يرفض تقديم تنازلات لإسرائيل، ويضع شرط الانسحاب من الأراضي اللبنانية كشرط للموافقة في الدخول في العملية السلمية.
إن المتابع للحرب بين الولايات المتحدة وإيران، لن يندهش إذا ما هدّدت أمريكا ومارست الضغوط على إيران، لكنه سيندهش لا محالة من الموقف الإيراني الذي يهدد ويصول ويجول ويطالب (العدو) بتنفيذ شروطه أولاً، (وإذا لم ينفذها بالوسائل السلمية فإن الكلمة ستكون للميدان)، وهي لغة، كما نرى، انتحارية، فيها الكثير من المغامرة، وأحياناً الرعونة، هكذا سيفهمها المحلل التقليدي، لكن لو تعمّقنا أكثر في هذا (الصمود) وهذه اللغة التي تحمل معنويات عالية، لا بدّ أن نعيدها إلى معتقد ديني في المقام الأول، وأزعم أنه لا تفسير للعناد سوى ما سأشير إليه، بخاصة البعد الديني، وبدقة أكثر ظهور المهدي، أو الخطاب المهدوي، وهو خطاب تعبوي في الفكر السياسي الإيراني له علاقة بمفهوم الانتظار وظهور المهدي، لتبرير الصمود أمام الضغوط الدولية، حيث ينظر الخطاب المهدوي إلى المقاومة كجزء من مسار تاريخي مقدّس.
ومن ناحية أخرى، يوظّف النظام الإيراني هذا البعد الديني فيقول إن أيّ تنازل في المفاوضات يُعدّ خيانة لمسار المقاومة المرتبط بالوعد الإلهي، وهذا الخطاب يجعل القيادة الإيرانية أكثر تصلباً في المفاوضات، بحيث تنظر إلى وقف إطلاق النار ليس كخطوة نحو السلام إنما كأداء تكتيكي، والأخطر من ذلك، فإن إيران، قد ترى أن القبول بالشروط، الأمريكية أو الإسرائيلية، يناقض فكرة التمهيد لظهور المهدي، وتعتقد أن الصمود هو الطريق المثالي لتحقيق النصر النهائي.
وفي هذا السياق، نخشى أن يكون استخدام الخطاب المهدوي لتبرير تأجيل أيّ تسوية سياسية، باعتبار أن الصراع جزء من معركة كبرى لا تُحسم إلا بالظهور الموعود.
وقد يكون هذا المفهوم/ الخطاب/ العقيدة المهدوية هو التحدي الأكبر للهدنة، فهل نفهم من هذا الطرح، لو صدق، أن إيران ليست معنية بالتوصل إلى معاهدة سلام؟ وهل نفهم أن مرور أكثر من ثلاثين عاماً من المفاوضات من دون تحقيق نتيجة تُذكر، له علاقة بالخطاب المهدوي؟ والسؤال الأكبر من كل ذلك، هل تدرك الولايات المتحدة خطورة هذا الخطاب، وبدأت تحتويه، وتغيّر من لهجتها؟ ألهذا تخطّط للانكفاء، أو التراجع عن أهدافها؟
في الواقع، نطرح هكذا أسئلة لأن وكالة «تاس» الروسية، نقلت عن وزارة الدفاع الأمريكية بتاريخ 22 إبريل (نيسان)، أن الولايات المتحدة تتجه إلى إعادة صياغة دورها الأمني العالمي، بحيث يتحمل الحلفاء مسؤولية أكبر في مواجهة التهديدات داخل مناطقهم. جاء ذلك في وثائق أساسية مرفقة بمسودة ميزانية وزارة الدفاع للسنة المالية 2027، حيث أوضحت الوزارة أن واشنطن ستعمل على «نموذج جديد للمسؤولية المشتركة» مع حلفائها، يقوم على مبدأ أن تتصدر الدول الحليفة جهود الدفاع الإقليمي، بدعم أمريكي أقل من السابق.
وبحسب الوثائق، فإن هذا التحول ينسجم مع نهج «أمريكا أولاً»، إذ تعطي الولايات المتحدة الأولوية للدفاع عن أراضيها وردع التهديدات المتصاعدة من الصين، خصوصاً ما يتعلق بالقدرات العسكرية في المحيطين، الهندي والهادئ. بحيث تهدف الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية الجديدة إلى تقليص الانخراط في النزاعات الخارجية. ولا ندري إن كان ما نقله تلفزيون «آر تي»، بشأن توجيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رسالة إلى القادة الإيرانيين يطالب فيها بالإفراج عن ثماني نساء محتجزات في إيران، له علاقة بالليونة التي تحدّثنا عنها، أم هي حركة من الحركات الترامبية المعروفة التي قد تتلوها أحداث عظيمة.
إن ما كشفت عنه وزارة الدفاع الأمريكية له صلة وطيدة بتحديات الهدنة، خاصة بالنسبة لإسرائيل، التي لا نعلم إن كانت مشمولة بالسياسة الجديدة (أمريكا أولاً)، وقد تأخذها إسرائيل على محمل الجد، وتنتهز الوقت المتبقي، فتشن حرباً على إيران ولبنان، لتحقيق مكاسب تستخدمها على طاولة المفاوضات.
ولا ندري حقاً، إن كانت القيادة الإيرانية السياسية تفكر وفق القناعة المهدوية، لأن ما نعرفه، فإن التفكير السياسي يختلف عن الديني، لكن هذا، كما يبدو، لن يحدث في إيران، وكذلك الأمر لدى حزب الله في لبنان، الذي قد لا تعنيه مساعي الحكومة ويستمر في الحرب، ربما تمهيداً لظهور المهدي.
