الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

كيف تفكر أنقرة في حرب إيران؟

27 أبريل 2026 00:35 صباحًا | آخر تحديث: 27 أبريل 01:45 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
لم تكن العلاقة بين الأناضول والهضبة الفارسية مستقرة يوماً، بل تأرجحت بين صراع مفتوح ومحاولات دائمة لضبطه. فمنذ أن اصطدمت الدولة العثمانية بنظيرتها الصفوية في معركة جالديران عام 1514، لم يكن الخلاف صراع جيوش فقط، بل صراع نماذج سلطة وهوية. في تلك اللحظة حاول الشاه إسماعيل الأول فرض المذهب الشيعي الاثني عشري بالقوة في إيران وأجزاء من الأناضول، إلا أن السلطان سليم الأول قاد المعركة بانتصار عثماني ساحق أوقف التوسع الصفوي لقرن كامل وجعل العثمانيين سادة الموقف في المشرق الإسلامي. انتصرت جيوش العثمانيين، لكن الدرس الأعمق الذي خرجت به الدولة لم يكن عن الانتصار، بل عن الكلفة: فكل محاولة لكسر إيران تعني فتح جبهة شرقية لا تُغلق، وكل انهيار لطهران يعني فوضى لا يمكن احتواؤها. لذلك، تعلمت تركيا ألا تسعى لتدمير الجار الفارسي، بل لإبقائه ضمن معادلة يمكن التحكم بها.
اليوم، وبعد خمسة قرون من جالديران، تجد تركيا نفسها مجدداً أمام المعادلة ذاتها، لكن بفاعلين جدد وحسابات أشد تعقيداً. ومع اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في فبراير 2026، وُضعت أنقرة في قلب الارتدادات الجيوسياسية والاقتصادية. فخلال أسابيع قليلة، فقد البنك المركزي التركي 55 مليار دولار من احتياطياته، بينما تراجعت الاستثمارات الأجنبية بنحو 30 مليار دولار، وارتفعت أسعار الطاقة بشكل حاد. هنا، لا يبدو الاقتصاد مجرد خلفية، بل محركاً يفرض على السياسة حدودها: فتركيا لا تدير الحرب... لكنها تدفع ثمنها.
غير أن الحساب التركي لا يُقرأ من ميزانياته وحدها، بل من خرائط مصالحه الممتدة. فمن المتوقع أن يصل حجم التبادل التجاري بين الخليج وتركيا إلى نحو 30 مليار دولار، وحيث تستضيف الدوحة أكبر قاعدة عسكرية تركية خارج حدودها، تدرك أنقرة أن استقرار المنطقة ليس رفاهية، بل ضرورة وجودية.
ولا تقف أهمية الخليج عند حدود الأرقام، بل تتجاوزها إلى كونه مسرحاً حاسماً لتوازنات الطاقة والأمن. فاضطراب الملاحة في مضيق هرمز لا يعني فقط ارتفاع أسعار النفط، بل اختلالاً في سلاسل الإمداد. وفي الوقت ذاته تدرك أنقرة أن أي تصعيد يطال القواعد العسكرية أو البنى التحتية في دول الخليج سيُعيد تشكيل معادلات الردع في المنطقة، بما يضعها أمام خيارات صعبة. لذلك، لا تنظر تركيا إلى استقرار الخليج كعامل خارجي، بل كامتداد مباشر لأمنها القومي.
من هنا، يمكننا تفسير المواقف التركية المكوكية لمحاولة احتواء المشهد، إذ أجرى وزير الخارجية هاكان فيدان أكثر من 12 مكالمة مع نظرائه الإقليميين والدوليين خلال 34 ساعة في مارس (آذار) 2026، كما وصل إلى الخليج مرتين في هذه الأزمة.
لكن جوهر الموقف التركي لا يُفهم من الاقتصاد والخليج فقط، بل من خرائط الخوف الأعمق. فأنقرة تقرأ هذه الحرب عبر ثلاثة كوابيس رئيسية. أولها الجغرافيا المفتوحة: أي تمدد للصراع نحو حدودها الشرقية قد يفتح الباب أمام تدفقات بشرية وأمنية يصعب احتواؤها. وثانيها الطاقة المضطربة: إذ إن توقف إمدادات الطاقة ينعكس مباشرة على الاقتصاد التركي. أما الكابوس الثالث، وهو الأشد قتامة، فهو المسألة الكردية.
هنا تكمن المفارقة الكبرى: فضعف إيران أو انهيارها لا يعني توازناً جديداً لتركيا، بل يعني فوضى لا يمكن التحكم بها. في شمال غربي إيران، حيث تتركز أكبر تجمعات كردية، وتخشى أنقرة أن يؤدي غياب النظام الإيراني إلى صعود كيانات كردية مستقلة أو شبه مستقلة، قد تتحالف مع حزب العمال الكردستاني، أو تفتح الباب أمام تدخل أمريكي مباشر لدعمها كما حدث في سوريا والعراق. هذا السيناريو، بالنسبة لأنقرة، أخطر من بقاء النظام الإيراني نفسه. فإيران الدولة، مهما كانت معادية، يمكن التفاوض معها واحتواؤها، أما إيران المفككة فتعني إعادة رسم الخرائط... وفيها قد تخسر تركيا أكثر مما خسرته في أي حرب.
من هنا، يصبح واضحاً أن أنقرة لا تنظر إلى إيران كخصم يجب إسقاطه، بل كواقع يجب ألا ينهار. فهي لا تدافع عن طهران بقدر ما تدافع عن استقرار يمنع الفوضى. هذا ما يفسر ازدواجية موقفها: خطاب يرفض الضربات يعبر عن القلق، يقابله سلوك عملي يرفض في الوقت ذاته أي توسع إيراني يهدد محيطها أو حلفاءها في الخليج. إنها معادلة دقيقة: رفض الانهيار... دون قبول الهيمنة.
في المحصلة، لا تقرأ تركيا هذه الحرب كسؤال من ينتصر، بل كسؤال: ماذا سيبقى بعدها؟ من يحكم حين تهدأ المدافع؟ من يضبط الممرات حين تُرفع الحصارات؟ ومن يملأ الفراغ حين ينسحب المنتصرون؟ بين اقتصاد ينزف، وحدود تترقب، ودبلوماسية تتحرك في كل اتجاه، تحاول أنقرة أن تفعل ما تعلمته من جالديران: لا أن تنتصر في الحرب... بل أن تبقى واقفة بعدها. لا أن تحسم المعركة... بل أن تضمن أن الخريطة التي تُرسم بعدها لا تُرسم من دونها.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه