العرب منقسمون والذي يدفع ثمن هذا الانقسام هو الشعب العربي الذي ما زال يعاني أزمات الألم والخوف وظلمة الليل الطويل . فقد كانت المحن قاسية وتعددت وازدادت عنفاً واتساعاً مع مرور الزمان وتداول الأيام، وأصبحت الجروح غائرة في ظل الأجواء المحمومة ومعايشة الأحداث المريرة وتقلباتها، وتحولت هذه الشعوب إلى شبكة رهيبة من العقد في النسيج الاجتماعي والشعبي لتشهد على موت نفسها وموت أمتها بعد أن تبعثرت وتشرذمت، وهذا ما جعل الشعوب العربية تتفرق في الوقت الذي تلتقي فيه شعوب العالم، ذلك أنه حينما تنعكس المقاييس وتختلط المفاهيم وتضطرب المعايير ، تتكون الحيرة وتطرح التساؤلات وينتشر الضلال والشك .
وإذا كانت الدول العربية قد نجحت في الحصول على استقلالها السياسي إلا أنها تعثرت في عمليات التنمية وفي تطبيق النظم الديمقراطية العادلة الأمر الذي أدخل الاستعمار مرة أخرى إلى الوطن العربي عبر امتصاص الحماس الذي نتج عن إنشاء الجامعة العربية ، ثم جرى تقسيم الدول العربية بحسب الهوية الاستعمارية التي جللته ، فأصبحت هناك الدول الأنغلوسكسونية والدول الفرانكفونية ، وكلاهما تابعتان لمركز الاستعمار العالمي الذي يقوم بمد يد المساعدة الاقتصادية وتقديم المعونات، إلا أنه لا يهدف إلى إحداث تنمية حقيقية تجعل الدول العربية تمتلك اقتصاديات متماسكة ومعدلات تنمية تحقق الاستقرار .
فمنذ الأربعينات من القرن الماضي عاش العالم العربي حالة من عدم الاستقرار استنفدت القدرات العربية على المستوى السياسي والاقتصادي والعسكري، بعد أن اندلعت حرب عام 1948 التي قامت على إثرها إسرائيل، ثم تلتها حرب 1956 التي شنتها بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر لخروجها من الطوق الاستعماري ، وحرب 1967 التي دمرت القدرات العسكرية والروح المعنوية العربية ، وحرب 1973 التي تمخضت عنها اتفاقية كامب ديفيد ، والحرب العراقية الإيرانية 1980-1988 التي أنهكت البلدين والمنطقة العربية بعد أن استثمرتها الولايات المتحدة وإسرائيل في إطالة أمدها من أجل ازدهار بيع الأسلحة على حساب الشعوب العربية، ومن ثم استغلت كل خيراتها وثرواتها لتدير آلة الصناعة وتدعم خطوط الإنتاج في الغرب الراعي والمخطط لهذه الحرب، واجتياح لبنان في عام 1982 الذي حطم وشتت القوات الفلسطينية، والغزو العراقي للكويت عام 1990 الذي مزق شمل الأمة العربية ، وحرب الخليج الثانية عام 1991 التي كبدت الدول العربية خسائر جمة ، وحرب العراق عام 2003 التي حولت البلاد إلى حطام و أكلت الأخضر واليابس ، والحروب التي شنتها إسرائيل على لبنان عام 2006 وعلى غزة في عام 2009 .
وبقيت الدول العربية غير واضحة المعالم على الخريطة العالمية إلا باعتبارها منطقة نفوذ للدول الكبرى وبالأخص الغربية متيحة لها الفرصة لكي تمرر مخططاتها، ما أوصل حالة الأمة العربية إلى هذا الانفجار الدموي العنيف في بعض الدول العربية، وشهدت المنطقة من الصراعات الإقليمية ما جعل العالم العربي مسرحاً كبيراً للنزاعات التي قدر عدد ضحاياها من المدنيين وحدهم بثلاثة ملايين، وشهد الكثير من المجاعات البشرية والأوبئة الفتاكة وتطور آلة الفتك والتدمير على نحو خلّف المزيد من الضحايا الأبرياء، كما تعاظم عدوان الإنسان العربي على أخيه الإنسان ، وتدمر مركز الإحساس لديه فلم تعد تستفزه أو تحركه أي مشاعر تجاه أخيه العربي فماتت النخوة ، وتلوثت نفسه بالكراهية والبغضاء والعصبيات العرقية والطائفية والمذهبية .
لا بد من يقظة للأمة العربية تعيد إليها رؤيتها الواضحة وتضع شعوبها على الدرب الذي يوصلها إلى الغاية حتى تتمكن من مسايرة ركب التقدم واللحاق به ، ويتسنى لها مواجهة التحديات بمثل ما واجهه ونجح فيه الآخرون . فهذه الأمة تمتلك طاقات بشرية وقدرات إبداعية وثروات تمكنها من استقلالية الفكر وإنتاجية العمل من خلال صياغة نشاط أفراد الأمة وتوظيف طاقاتهم بما يليق بمكانة هذه الأمة ، وفتح المجال للتنمية البشرية، وتأمل علاقاتها بماضيها وحاضرها ، وإدراك الزمان لكي تعوض ما فات وتحول الواقع إلى العمل الجاد بالحاضر الذي يمهد للمستقبل حتى يتبوأ العالم العربي بين الأمم الحديثة ما كان له من منزلة بين الأمم الحضارية، فيضيء مجده من جديد ويعود له العز ، وما ذلك بمستحيل إذا عرف أبناء الأمة العربية طريق الاستعداد العملي الفعال والتهذيب الروحي القديم الذي يقضي على النعرات المذهبية والأوهام التقليدية التي تشكلت على ضوء ذهنية هذيانية مترعة في الاستغراق، ولكي يتأصل حب الوطن والأرض والميل لاحترام النظام، وما حب النظام في أمة إلا دليل على حسن تربيتهم الاجتماعية وتقديس الحق العام والأخلاق الإنسانية . ولعل إرهاصات التغيير التي يشهدها أكثر من بلد عربي تحمل بشرى نهضة عربية جدية تنقل العرب من حالهم الراهن إلى مستقبل واعد وأمل مرتجى .
* كاتب من الإمارات