العولمة، في المقام الأول، ظاهرة اقتصادية قبل أن تكون سياسية وثقافية وعلمية وتقانية وقيمية. هذه، قطعاً، وجوه للعولمة وكيفيات مختلفة لتجلّيها. لكنها في حساب التكوين والتطور من الآثار المترتبة عليها، الناشئة في امتداد نتائجها: على نحو ما كانت ظواهر المجتمع عبر التاريخ والتاريخ الحديث على وجه خاص تبعاً لظواهر الاقتصاد. والعولمة بما هي كذلك أي بما هي ظاهرة اقتصادية في المنشأ والديناميات تنتمي إلى نظام الإنتاج الرأسمالي وتؤذن معطياتها ببلوغه مرحلة من مراحل الانعطاف في تطوره تفرض النظر إليه بأدوات تحليل ومنظومة مفاهيم مختلفة عما كان مألوفاً العمل به في الماضي، أعني قبل ربع قرن من اليوم.

كنا قد وصفنا العولمة قبل عشر سنوات، أو يزيد، بأنها أعلى مراحل الامبريالية مستعيرين وصف لينين للإمبريالية بأنها أعلى مراحل الرأسمالية، فأدخلناها بمقتضى ذلك التعيين في جملة لحظات تطور النظام الرأسمالي الذي أسهبت كتابات الماركسيين في تحقيقه طيلة القرن العشرين منذ لينين حتى سمير أمين. لا يوجد أمامنا اليوم، بعد هذه السنوات، ما يدفعنا إلى إعادة النظر في ذلك التعيين. كل شيء في العولمة يقيم الحجّة على أنها، فعلاً، لحظة أعلى في النظام الرأسمالي وفي الطور الامبريالي الاحتكاري منه كما حدد لينين ملامحه، وأسهب في تحليله وتحقيبه مفكرون اقتصاديون كثر مثل شارل بيتلهايم، وسويزي، وسمير أمين، فكما أعلنت الامبريالية انتقالاً نوعياً حاسماً في النظام الرأسمالي من نظام رأسمالي قومي إلى نظام رأسمالي عالمي، ومن نظام الرأسمالية الصناعية إلى نظام الرأسمال المالي، ومن نظام المنافسة الحرة إلى نظام الرأسمالية الاحتكارية، كذلك تعلن (العولمة) انتقالاً حاسماً نحو رأسمالية كونية تصل بالاحتكار إلى حدود سيطرة بضع شركات ومؤسسات على مصائر الاقتصاد والإنتاج والبشر كافة.

قبل مائة عام، شهد النظام الرأسمالي العالمي انعطافه المثير نحو الحقبة الإمبريالية. ليست الأخيرة ظاهرة سياسية على نحو ما درج الحديث عنها واعتيد على وصفها في أدبيات غير نظرية، هي ظاهرة اقتصادية في المقام الأول. وهي، في هذا، تشبه حفيدتها العولمة، وإن كان لها أثر عظيم في مجال السياسة يشبه ما بات للعولمة من آثار سياسية في الخمس الأخير من القرن العشرين وما تلاه. إن استعدنا بعض معطيات تعيين هذه الظاهرة (الامبريالية) غِبَّ نشوئها في نهايات القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، لوجدنا أن أظهر ما يميزها عن الرأسمالية الصناعية التي حللها ماركس في كتابه الرأسمال (أي رأسمالية المنافسة الحرّة) ملامح ثلاثة: أولها تمركز الإنتاج في وحدات صناعية وإنتاجية ضخمة واحتكارية هي الكارتيلات أو التروستات، وثانيها التوحد الذي حصل بين الرأسمال الصناعي والرأسمال البنكي فقاد إلى ميلاد الرأسمال المالي، وثالثها تخطي الرأسمالية لحدودها القومية.

هذه أهم معطيات التحليل اللينيني لذلك التحول المثير الذي طرأ على الرأسمالية في حقبتها الامبريالية الجديدة (آنئذ) من المسلَّم به أن لينين لم يكن في هذا التعيين صاحب سبق، لأن غيره قال بذلك التحول وحدد ملامحه على نحو يقارب ما ذهب إليه الأول. ومن المسلَّم به أن كثيراً من ذلك التعيين اللينيني لملامح التحول الجديد ذاك ما كان تحليلاً بمقدار ما كان وصفاً. غير أنه بعيداً عن الجدل في نسبة التحليل إلى لينين أو إلى من سبقه إليه، وبمعزل عما إذا كان تشخيصاً أو وصفاً، فإن الذي تقرر عند الناس مشايعين لزعيم الثورة البلشفية أو مناوئين أن القول في الموضوع ارتبط به أكثر من غيره وربما من دون سواه. وليس يهمنا في الموضوع أن نتبين الصحيح من الزائف، وإنما أن ننطلق من معطى تحليلي دارج لنقرأ فيه ما نخاله الخليق بالبيان في المعرض الذي نحن فيه.

يُطلِعُنا الملمح الأول للامبريالية على المكانة الرئيسية التي عادت إلى الاحتكار كعلاقة جديدة حاكمة للرأسمالية وموجِّهة لها وقائمة على أنقاض العلاقة الأصل التأسيسية: المنافسة. كانت الرأسمالية في طورها الصناعي أكثر عدلاً لأنها وفرت فرصاً لمالكي الرأسمال ووسائل الإنتاج كي يتنافسوا على فرص تعظيم الثروة. أما في طورها الامبريالي، فباتت أكثر اجحافاً ودارونية: البقاء للأصلح. فعلت ذلك بصغار المالكين للرأسمال ووسائل الإنتاج.

هل تغير الأمر مع العولمة، هذه اللحظة الجديدة الأعلى في النظام الرأسمالي؟

لم يتغير كثيراً حتى لا نقول إن أمر تلك الملامح استفحل أكثر. زادت ظواهر ومعدلات الاحتكار على نحو غير مسبوق وكادت مجمعات صناعية محدودة وشركات عملاقة محدودة وبنوك كبرى محدودة تحتكر كل شيء في الصناعة والمال والأعمال في العالم. وتعاظم الانفصال بين الإنتاج والقيم المالية فما عاد الأول مرجعاً يحدد الثاني (كما لم يعد الذهب في ما مضى يحدد القيمة النقدية): انتقلت الرأسمالية العولمية من القيم الاقتصادية المادية إلى القيم الاقتصادية الافتراضية التي لا يعرف أحد عمّ تعبّر. أما العولمة، فتعسكرت أكثر وباتت طريقها إلى الهيمنة تمر حكماً بالحروب.