ما الذي يدفع الفرد في دول الخليج الغنية والمتدينة أن يلجأ إلى الرشوة والاختلاس والفساد والإساءة إلى المال العام وهدره، وغيرها من الممارسات التي تضر بالمجتمع ككل؟ ما الذي يدفع الفرد في هذه المجتمعات الموسرة إلى مد يده إلى المال العام المؤتمن عليه وهو في غالب الأمر لديه ما يكفيه؟ ما هو التغيير القيمي والمجتمعي الذي طرأ على المجتمع وانعكس على الإنسان ونتجت عنه هذه الظواهر السلبية؟ وأخيراً في هذه المجتمعات التي عاشت في الماضي على اعتبار أن كلمة الفرد هي الدليل والبرهان، حيث لم تكن هناك أوراق تسجيل أو مبايعات رسمية أو أوراق ثبوتية، ما الذي يدفع الفرد إلى التضحية بقيم المجتمع كلها والمغامرة بارتكاب مخالفة كبيرة قد تطيح بمستقبله: هل هي الرغبة في الثراء السريع ومن دون أي عناء وهي التي أصبحت ظاهرة في مجتمعاتنا العربية عامة والخليجية خاصة، أم هو غياب روح المحاسبة الذاتية والشفافية والديمقراطية والوازع الديني، أم ظهور قيم جديدة كالطبقية والمحسوبية والتفاخر؟
لم تعرف مجتمعات الخليج الآليات المتعارف عليها في التعاملات المالية والتسجيل الرسمي إلا مع تحولها من مجتمعات الكفاف إلى مجتمعات الطفرة. وعلى الرغم من حالة الكفاف والفقر التي عرفتها وعانت منها تلك المجتمعات، إلا أنها لم تعرف حالات التعدي على مال الغير والاختلاس والاسترزاق من وراء المال العام، بل عاش الناس في صورة بسيطة قانعين برزقهم المتواضع، يؤثر الفرد منهم جاره حتى ولو بشق تمرة. وقد امتدت كلمة الفرد إلى التعاملات المالية الكبرى. فكانت عمليات التحويل المالي من بلد إلى آخر كالهند مثلاً، تتم عن طريق أن يأخذ التاجر الهندي المال هنا ومن دون أي أوراق ثبوتية أو شهود ويتسلم الشخص ماله في الهند من شخص آخر وأيضاً من دون أوراق ثبوتية. كانت حالة الثقة موجودة وكلمة الشخص هي الفيصل والدليل. ولكن هل هذا يعنى أن الناس كانوا يعيشون في مجتمع مثالي خالٍ من الجريمة؟ بالطبع كلا، ولكن كان المجتمع يستخدم طرقاً لمعاقبة كل من يثبت تورطه في الإساءة للمال العام أو الخاص. فقد كان المجتمع يفرض عقوبات ذاتية رادعة على كل من تسول له نفسه أو يثبت تورطه في أكل الحرام. لقد كانت العزلة المجتمعية والتشهير وعدم التعامل المستقبلي عقاب كل من تسول له نفسه ارتكاب هذا النوع من الجرائم في حق المجتمع. لقد أثبت هذا العقاب المجتمعي جدواه في الكثير من الأحيان. وهكذا سادت بين الناس حالة من الثقة في كافة المعاملات حتى غير المكتوبة، وظهرت حالة من الأمن والأمان النفسي والاجتماعي بين مختلف الأطراف والأطياف وفي كافة المعاملات الصغيرة والكبيرة.
ولكن الحال تغير بعد انتقال المجتمع من تقليدي بسيط إلى مجتمع حضري متمدن. لقد بدأت الحياة تتطور وتتغير وتتعقد، وصاحب هذا التطور تغير قيمي كبير، انعكس على المجتمع والفرد. فقد تغيرت تركيبة المجتمع الاقتصادية والاجتماعية بكافة طوائفها وطبقاتها، وهكذا ظهرت الحاجة إلى آليات التسجيل الرسمية من محاكم وشهود وبنوك ومؤسسات مالية أخرى. وأصاب الفرد من التغيير ما أصاب المجتمع، وسرعان ما أصبح الفرد رقماً جديداً في هذه المعادلة الصعبة، فأصبحت كلمته تحتاج إلى توثيق وشهود وإثبات. هذا التغيير أصاب أيضاً قيم المجتمع وعاداته وأنماط تفكيره. وسرعان ما ظهرت قيم جديدة مستمدة قوتها من تلك الطفرة التي شهدها المجتمع. فلم تعد البساطة دليلاً على غنى النفس بل على ضعف الحالة المادية، ولم تعد القناعة كنزاً لا يفنى بل صفة سلبية، وطغت الروح الاستهلاكية على البساطة الحياتية، وتغيرت النظرة إلى الفرد، حيث أصبح يقاس وزنه المجتمعي بحسب ما يملك. وهكذا انقلبت الموازين الاجتماعية رأساً على عقب. وبدأت تظهر في البداية حالات بسيطة من الرشوة واستغلال النفوذ العام والهدر العام لأموال الدولة من دون أي محاسبة. هذه الحالات تغاضى عنها المجتمع في البداية على استحياء. فقد كان صعباً على المجتمع في مرحلة التحول تلك أن يشهر بأحد أعضائه وبصورة رسمية وعلنية. فالمجتمع لم يكن بعد مهيأ لإنزال العقوبة الرسمية بحق هذا المنتهك أو ذاك.
ولكن مع تطور المجتمع والتحاقه بركب الدول المتقدمة وتبنيه أحدث الممارسات العالمية كان لا بد من ظهور آليات جديدة للمتابعة الرسمية والقضاء على جميع أشكال الفساد والهدر العام في سبيل الوصول إلى نظام اقتصادي ومالي سليم ومجتمع صحي قادر على التعامل مع متغيرات الحياة بكل شفافية وكفاءة ومقدرة ونزاهة. وكان لا بد لمواجهة ذلك الفساد من تطبيق أقسى أنواع العقوبة المطبقة عالمياً في حق من تسول له نفسه ارتكاب هذا النوع من الجرائم في الحق العام. ولذا بدأت الدولة في تبني إجراءات جديدة معتمدة على قيم الشفافية والمحاسبة والاعتماد على العقاب الرسمي وليس المجتمعي فقط ضد كل من تسول له نفسه أن تمتد يده إلى المال العام أو يلجأ إلى الرشوة أو غيرها من أنواع الفساد المالي أو الإداري. وكان وجود تلك الآليات الحاسمة والواضحة أمراً مطلوباً لبتر العضو المريض اجتماعياً. ولكن يبدو أن تلك الآليات لم تكن رادعة بشكل كاف. فقد استمر مسلسل الإساءة للمال العام واستغلاله لبعض المصالح الشخصية أو هدره بشكل لا يتناسب مع متطلبات التنمية الحالية. كما استمر مسلسل الاختلاسات الكبيرة، وهي من الأمور التي تسيء لصورتنا أمام الآخر بأننا دول حضارية تتبنى أفضل الممارسات العالمية.
إن مجتمعات الخليج اليوم وهي على أعتاب مرحلة تحول جديدة من تاريخها تحتاج إلى آلية واضحة وصريحة ونزيهة لمعاقبة كل من تسول له نفسه استغلال نفوذه العام لخدمة مصالحه الشخصية الضيقة، ومعاقبة كل من يثبت تورطه في هدر المال العام أو الإساءة اليه. فمن الشركات الكبرى التي يستغل أصحابها نفوذهم العام لتمرير مشاريع تخدمهم في المقام الأول إلى المديرين المتنفذين والذين ينتج عن قراراتهم إهدار المال العام، وانتهاءً بالموظفين الصغار الذين يستغلون وظائفهم العامة للاسترزاق من ورائها، سواء عن طريق الرشوة والمحسوبية أو استغلال الوظيفة لقضاء مصلحة شخصية، جميعها ممارسات تسيء لنا جميعا. فعلى الرغم من أنها ممارسات بل أمراض اجتماعية موجودة في كل المجتمعات النامية والمتطورة على حد سواء، إلا أن وجودها في مجتمعاتنا الملتزمة والمحافظة يجب ألا يصبح ظاهرة كبيرة. فهذه المجتمعات قد استطاعت عبر الزمن أن تتأقلم مع المتغيرات المجتمعية من دون أي إفرازات سلبية جذرية بفضل الوازع الديني والاجتماعي المستمدين من قيم الإسلام وطبيعة الصحراء. ولذا فإن بروز هذه الظواهر في الوقت الحالي بالذات يعني أن المجتمع بكافة أطيافه يمر بحالة من المخاض الصعب. لذا فدور الخطاب الديني والمؤسسات الاجتماعية هو دور مهم باتجاه التغيير الإيجابي.