وسط الصخب والضجيج الذي صاحب مهرجان أنابولس المسرحي، كانت الخطط الأمريكية لتكبيل العراق بالأصفاد تمضي قدما، غير أنها لم تحظ بتسليط الأضواء عليها، وكأن المقصود من أنابولس كان التغطية والتعمية على ما يجري بين بغداد وواشنطن، في ضوء ما استجد من إعلان نوايا مشترك بين الطرفين.والتساؤل لماذا هذا الإعلان؟من دون مواراة أو مداراة، لأنه يرسخ الوجود الأمريكي ويجعل من العراق القاعدة الذهبية للانطلاق شرقا بالنسبة للإمبراطورية المنفلتة والمذعورة من صحوة الشرق بقطبه الصيني القادم ودبه الروسي العائد باستفتاء شعبي أعاد حزب فلاديمير بوتين إلى صدارة المشهد بأكثر من 64% من أصوات الناخبين الروس، في ما يعد اكبر انتكاسة لخطط أمريكا بالنسبة لروسيا.ذهبت أمريكا إلى العراق تحت حجج لم تنطل على أحد وفي واشنطن العاصمة يظل الجمهوريون والديمقراطيون يتبادلون الأدوار المسرحية حول ضرورة وحتمية الانسحاب من العراق، وربما التهديد بقطع التمويل عن الحرب الدائرة هناك، أدوار من قبيل البراجماتية السياسية الأمريكية المعهودة منذ زمان طويل، غير أن النوايا تبقى كامنة بين ملفات الخطط الاستراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على العالم.كان من المفترض أن يسعى العراق للخلاص من براثن البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي فوض قوات متعددة الجنسيات للتحكم في مصيره، ليعود إلى سابق عهده بلداً حراً ذا سيادة قومية، غير أن قادته والذين جاءوا على أسنة الرماح الأمريكية، يتطلعون إلى إبقائه أسيرا يدور في فلك القوة العظمى، وهذا غير مستغرب من قبلهم، ذلك بأنه من دون المركبات العسكرية الأمريكية لما كانوا عرفوا إلى العودة للعراق سبيلا.وإعلان النوايا الأمريكية العراقية، ليس إلا تهيئة لمسرح الأحداث ومقدمة لإجبار البرلمان العراقي على التوقيع على ما يشبه وثيقة الاستسلام طويلة الأجل، وإن جاءت في صورة دبلوماسية تحت مسمى التعاون الأمني والسياسي والاقتصادي، إلى آخر الأسماء المنحولة التي برع الأمريكيون في اختراعها والتي ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب.يريد الأمريكيون الآن تهيئة الشعب العراقي للإقرار بأن ما جرى بين بغداد وواشنطن هو زواج كاثوليكي لا تنفصم عراه، حتى وإن كان الهدف هو خديعة الزوج العراقي وخيانته لمصلحة عشيق آخر يمتد من أفغانستان إلى بقية دول شرق آسيا في خطة مرسومة باقتدار منذ زمن بعيد، تكرس وتعزز القرن الحادي والعشرين قرناً أمريكياً، وحتى لو تعثر الهدف بعض الوقت، إلا أن أذرع الحكومة الخفية القابعة في واشنطن تحرك النظام العالمي الجديد من زمن بوش الأول إلى بوش الثاني، تبدو مصممة على تجاوز الكبوات وإكمال المسير المظلم.وإعلان النوايا العراقية الأمريكية في حقيقته، ليس إلا المرحلة الثانية وربما الأخيرة من الاستراتيجية الأمريكية للعراق، كانت الأولى هي القضاء على جسم ورسم العراق القديم الموحد وتفكيكه إلى قطاعات عرقية ومذهبية، وبات حديث الفيدرالية والتقسيم يظهر على استحياء تارة ويخبو تارة أخرى، أما المرحلة الثانية فهي بلورة رؤية لا راد لها، تجعل للعسكرية الأمريكية حضورا طويل الأجل في منطقة الخليج العربي لحراسة آبار النفط من جهة، ولصد ورد وحرمان نمور آسيا وتنينها ودبها من الاقتراب من المياه الدافئة، سيما وأن سعر مائة دولار لبرميل النفط أمر غير مقبول من واشنطن، وكفيل بضرب اقتصادها في الصميم.وعلامة الاستفهام في هذا المقام هي: هل العراق مؤهل قانونيا للتوقيع على عقود أو إبرام عهود؟من دون أدنى شك يعد العراق اليوم فاقد الأهلية، وحتى رحيل آخر جندي أجنبي، ذلك بأنه وبحسب القوانين الدولية بلد واقع تحت الاحتلال، وكافة ما يبرمه من اتفاقيات دولية ومعاهدات يعد باطلا قانونيا، وهو أمر تدركه واشنطن بجدارة وتتغاضى عنه بامتياز، للوصول إلى أغراضها الحقيقية، والتي كانت الدافع وراء إسراع بوش بحث العراقيين على إجراء الانتخابات ليسهل للحكومة والبرلمان عملية توثيق ما ستؤول إليه قصة إعلان النوايا من اتفاقيات بين الجاني والمجني عليه.والملاحظ أيضا في سياق مجريات هذا الإعلان، الذي وقع عليه بصورة مختلسة، أنه لم ولن يرضي كثيرا من الأطراف والأطياف العراقية، والتي تجزم بضرورة جلاء القوات الأجنبية عن العراق بعد أن تتمكن القوات العراقية من السيطرة على الأوضاع الأمنية بأسرع وقت، وفي هذا شبهة تقع على عاتق الأمريكيين وتحوم حول صناع القرار والأفكار في واشنطن، والذين يريدون إلهاء العراقيين في معارك داخلية قد تقودهم إلى حرب أهلية حقيقية، أو سيناريو تقسيم لا مفر منه، بينما هي تنسحب من قلب المدن إلى الأطراف حيث القواعد العسكرية التي تمكن واشنطن من استباحة المنطقة برمتها عسكريا واستخباراتياً.وبنظرة سريعة على الأرقام الصادرة عن مكتب الميزانية بالكونجرس بخصوص حرب العراق وأفغانستان، يجد المرء أن الولايات المتحدة أنفقت 604 مليارات دولار منها 412 مليارا للعراق وحده، والمثير أن بوش يطلب من جديد مبلغ 196 مليار دولار لاستمرار الحرب خلال العالم القادم، أي نصف التكاليف الإجمالية السابقة عن أربع سنوات، وهو ما يفيد بأن 2008 هو عام البقاء لأجل غير منظور في بلد الرشيد، وهذا هو حديث المقاصد الخفية للنوايا الأمريكية.هذا الحديث هو عينه الذي استدعى الإدارة الأمريكية لأن تبتعث رجل مخابراتها الأشهر، وصاحب الخبرة المماثلة في تركيع الأوطان في أمريكا اللاتينية جون نيجروبونتي، بعد أن خلعت عليه لباس الدبلوماسية في زيارة مفاجئة وغير معلن عنها للعراق، للبدء في ترتيب سيناريو الفصل الثاني وربما الأخير من مسرحية العراق العبثية التي لعبتها واشنطن كحلقة من حلقات مسلسلها الكوني الأكبر، والمعروف باسم القرن الأمريكي، والذي لا تكف عن عرضه على الملأ، حتى ولو لم يجد مشاهدين أو أجبروا هؤلاء على رؤيته قسوة وعنوة