منذ أسبوعين هيأت وسائل الإعلام الإسرائيلية الأجواء لما أسمته رغبة الإدارة الأمريكية في فك الغموض على الغارة العدوانية الإسرائيلية التي استهدفت سوريا في سبتمبر/أيلول من العام الماضي. عملية فك الغموض تلك لم تأت بعيدة عن الحملة التي شنتها وسائل إعلام إسرائيلية وأمريكية محورها أن المكان الذي استهدفته الغارة كان مفاعلاً نووياً. ومن موقعنا هنا كأناس عاديين، لا نملك أقماراً صناعية ولا فرق تفتيش، كل ما نملكه عدم الثقة في أي شيء تقوله أمريكا إلا عندما تهدد بضرب بلد أو تبدي دعماً ل إسرائيل وسواها من التابعين الصغار. ثم أننا نمتلك حداً أدنى من الذاكرة يسمح لنا بتذكِّر وزير الخارجية السابق في الولايات المتحدة، كولن باول وهو يعترف بالكذب في سوق أدلة على امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، وأن تلك الكذبة كانت وصمة في تاريخه.
لكن الحملة الإعلامية الأمريكية المحمومة ضد سوريا ليست وليدة اليوم، ولا نتاج غارة سبتمبر، ولا هي مرتبطة بأسلحة نووية. ونكاد نجزم، بكل تواضع، أنه لو وافقت سوريا على إقامة صلح مع إسرائيل بالشروط والثمن الإسرائيلي وعلى حساب الثوابت القومية بما يترك الفلسطينيين لصرخة يا وحدنا، ولبنان محمية إسرائيلية، لأصبح بناء المفاعل النووي في سوريا كافتتاح صيدلية.
ألم يأت كولن باول إلى سوريا بعد غزو العراق محملاً بسلة مطالب من سوريا تتمثّل في حلّ حزب البعث ونشر الديمقراطية، والتخلي عن المقاومة في لبنان وفلسطين، ومنع تسلُّل المقاتلين إلى العراق والمساهمة في بناء العراق الجديد؟ وعندما لم تلب تلك المطالب، أصدر الكونغرس الأمريكي قانون محاسبة سوريا، وبدأ الوجود السوري في لبنان، الذي كان مقبولاً منذ ،1990 يسمى احتلالاً، وحيك ما حيك من مؤامرات لدفع سوريا خارج لبنان ودفع لبنان داخل المشروع الإسرائيلي الأمريكي.
من يعد إلى وثيقة ريتشارد بيرل، المستشار السابق للبنتاجون ولبنيامين نتنياهو، يجد فيها، وقد أعدت عام ،1996 ما حصل وما يحصل، بدءاً بالمؤامرة ضد الراحل ياسر عرفات الذي منحوه نوبل ثم أصبح إرهابيا بنظرهم، مروراً بغزو العراق وانتهاء بسوريا الموضوعة الآن في عين العاصفة. ويبدو أن الإدارة الأمريكية الحالية تريد أن تورِّث الإدارة المقبلة برنامج عمل يحافظ على مخططات المحافظين الجدد والإبقاء على شريان تجمع احتكارات السلاح من خلال التوتر والحروب ووجهتها سوريا وإيران وكوريا الشمالية بشكل أساسي وغيرها من القوى التي صنّفها القدر الأمريكي بأنها محور الشر.