كتب مثقف عربي ساخر قبل أعوام أن العرب بحاجة الى اثنين وعشرين بسمارك لا ليوحدوا الأمة سياسياً، بل لتوحيد نظم السير والمرور في شوارع العواصم .

وبلاغة التشاؤم لها إغواءاتها، فهي أولاً سهلة لأنها تصف الأبواب الموصدة وتذكرنا بالمثل المتكرر عمن لم يرد الصلاة، وحين ذهب رغماً عنه الى المسجد ووجد الباب مغلقاً عاد الى بيته وهو يبتسم .

في كل واقع مهما قيل عن فضائله وحسناته بقع سوداء، ومناطق رمادية، والعكس صحيح أيضاً، ففي أردأ الأمكنة وأحزمة الصفيح حيث يتراكم البشر كما لو كانوا أسماكاً مجففة في العلب، ثمة شمس تشرق وأطفال يبتسمون وأمهات يرضعن أبناءهن ويطبخن لهم ما تيسّر حتى لو كان من الحصى .

المسألة إذن في الأساليب التي تتحكم بالمقاربات من هذه الظاهرة أو تلك، وبإمكان أي سوداوي ألا يرى في رحلة الإنسان على هذه الأرض غير خطوات بين مهد ولحد، بحيث تختصر السيرة البشرية كلها في عبارة واحدة من ثلاث كلمات فقط .

ولا نظن أن مهمة النخب هي النحيب على الأطلال، أو التخصص في توصيف مشاهد الخراب ولحظات الأفول، فالمثقف في نهاية المطاف ليس ندابة محترفة تنتقل من مأتم الى آخر . والواقع العربي الآن يصعب الدفاع عنه بل يصعب حتى انتقاء عينات إيجابية منه، لكنه بالمقابل ليس قبراً جماعياً، أو ركاماً من الأطلال، ما دام هناك عشب يطلع حتى من صدوع الجدران وشقوق الصخور، وما دام هناك أطفال يولدون ويحملون أسماء منحوتة من صميم هذه الأبجدية التي يُراد لها أن تكون معادلاً رمادياً للصمت .

وأحياناً تصبح البلاغة السوداء تعبيراً عن نوع من الماسوشية بل تغذية لها كي يتلذذ المهزومون باستمراء هزيمتهم وباجترار آلامهم . ولا يصح لطبيب أقسم بشرف المهنة وبأبوقراط أن يقول لذوي مريضٍ حتى لو كان في طور الاحتضار أعيدوه الى بيته كي يموت على سريره، أنه يشتبك مع المرض دفاعاً عما تبقى من العافية، فالهدم والإماتة أسهل بأضعاف من البناء والترميم والإحياء . لهذا يتهرب أصحاب البلاغة السوداء والندابون من المسؤولية من خلال التعجيز، وتصوير الأمر كما لو أنه بحاجة الى اجتراح معجزات . والعربي الآن قد يكون مريضاً، وقد يكون أيضاً متماوتاً كما يفعل البعير، لكنه ليس الفريسة التي تأقلمت مع السكين ولم يعد يضيرها السلخ بعد الذبح .

وليس هذا تفاؤلاً يبحث عن بلاغة بيضاء مضادة لتلك التي تسخر حتى من الأنين ولا ترى من الغابة غير بضع شجرات محترقة، فالمشهد جدلي في جوهره، وثمة ما يسقط ويشيخ، مقابل ما ينهض ويحيا، إن البلاغة السوداء قد خلقت لدينا نوعاً من الإدمان على مخدرات لغوية ترضينا لبعض الوقت، لكن ما يترسب منها يتحول الى سموم وأحماض لا يسلم منها الزرع والضرع . ومن الأجدى لطبيب يفخر بعدد التقارير التي يكتبها عن زبائنه من الموتى أن يستقيل