ليست الأزمات، كلها، إفرازاً عضوياً أو منطقياً لما يحدث في عالمنا المضطرب، لأنها لو كانت كذلك لانفرجت بدلاً من الانفجار بعد كل تصعيد، لكن هناك معامل ومختبرات للتأزيم، وهناك أيضاً استراتيجيون متخصصون في تسخين هذه البؤرة أو تلك من كوكبنا، ما دامت خطوط طوله وعرضه قد أصبحت كخيوط مسرح العرائس بين أصابعهم.
وليس صعباً الفصل بين أزمة واقعية لم يكن تداركها ممكناً وبين أزمة مصطنعة، فالنوع الثاني من هذه الأزمات يقصد به المصادرة، أو تهريب أزمات حقيقية، وقد تكون أزمة السلام في منطقتنا بسبب ديمومة الاحتلال الصهيوني لفلسطين هي الأزمة الحقيقية التي لا سبيل لتجاوزها، بسبب ما تفرزه يومياً من صراعات وانتهاكات.
وبالمقابل فإن حاضنة تفقيس الأزمات الموسمية لا تكف عن العمل، فما إن تتسلط الإضاءة على زاوية من المسرح حتى تنتقل برشاقة إلى زاوية أخرى، وبذلك تصاب عيون الناس بالحول أو الزوغان وهي ترصد حركة هذا البندول العجيب، وأول تجربة ميدانية خارج المختبرات لحجب أزمات العالم كانت أحداث سبتمبر/ أيلول عام ،2001 إذ سرعان ما حجب الدخان المتصاعد من البرجين التوأمين في مانهاتن كل المشاهد الدولية، وما كان مطروحاً للتداول السياسي والسجال الفكري في مؤتمر دربان قبيل ذلك الحدث توارى، وحلت مفردات معجم جديد مكان كل ما كان يدور بين مئات المنظمات غير الحكومية.
هذه الفلسفة في التأزيم تهدف إلى تجميد قرارات ومشاريع حلول حتى لو كانت ذات صلة بما يسمى تجميد المستوطنات في فلسطين، ولو عدنا قليلاً إلي الوراء، وأعدنا قراءة ما كتب قبيل احتلال العراق، لوجدنا أن هناك استراتيجيات جديدة حاذقة في تصنيع البدائل سواء تعلقت بأزمات مزمنة، أو بقضايا ساخنة، وكأن التناغم بين السينارست الذي يعد هذه الفصول من الدراما السياسية الكونية وبين مهندسي الإضاءة قد بلغ ذروته، فما كان مضاء بسخاء شديد للتو يصبح معتماً والعكس صحيح أيضاً.
وما يبدو للوهلة الأولى مجرد جملة معترضة في سياق سياسي أو اقتصادي، سرعان ما يصبح المتن، ويتحول كل ما عداه إلى هوامش وأعراض جانبية، والمثال الأخير هو تأزيم العلاقات مجدداً بين الغرب وإيران، بحيث غطت الأزمة في طبعتها الجديدة المنقحة أوروبياً على مسألة الاستيطان، والإجماع الأوروبي الأمريكي على ضرورة تجميده.
صانعو الأزمات ومصدروها يصيبون عدة صقور لا عصافير ببيان واحد أو بتصريح متوتر تعقبه تصريحات معزوفة على وتر أشد، والولايات المتحدة التي توهمت للحظة أنها قاضي العالم وشرطيه معاً، تناست الدور الثالث الذي مورس بأساليب شتى وهو دور اللص والقرصان، وبالرغم من قبول العالم غير الطوعي بهذا الطرح بدت الولايات المتحدة كما لو أنها عوراء وبيد واحدة وساق واحدة أيضاً، فهي ما إن تتورط في أزمة حتى لو كانت من إنتاجها حتى تشيح عن أشد الأزمات اشتعالاً، وما يقال عن السلم العالمي وتأمين هذا الكوكب بمختلف ساكنيه ضد الأسلحة الإبادية والقرصنة بدءاً من أدناها على شواطئ إفريقيا إلى أقصاها وأعلاها في نيويورك يبقى مجرد فقاعات تتناقلها الميديا وتبثها لأسباب تخديرية فقط، وإذا كانت العملات الرديئة تطرد العملات الجيدة أحياناً، فإن الأزمات المصنعة في مختبرات الاستراتيجية قد تطرد الأزمات الحققية، وتهمشها، وهذا كله ينضوي تحت امبريالية ما بعد الحداثة وحروب الاستباق والتأزيم المبرمج.