تغيير السياسة الأمريكية أم العربية؟

01:53 صباحا
قراءة 5 دقائق

لم يتسلم الرئيس الأمريكي المنتخب، باراك أوباما، مسؤولياته في البيت الأبيض بعد، إلا أن تصريحات هجومية شنت عليه من قبل أطراف كثيرة، كان آخرها من قبل الدكتور أيمن الظواهري، الذي يصنف على أنه الرجل الثاني في تنظيم القاعدة، وقد استهجن كثيرون نعت الظواهري لأوباما ب (عبد البيت الأبيض)، في الوقت الذي يرفض فيه الإسلام العنصرية وتقويم الإنسان حسب لون بشرته أو جنسه. وطال الظواهري كولن باول وكوندوليزا رايس متناسياً أن أمريكا بلد استثنائي في تعامله مع الجاليات والأجناس، واستثنائي في إدارته السياسية، حيث لا تتغير استراتيجيته السياسية مع تغير الأشخاص. فهو بلد يستند إلى الثوابت، رغم عدم اتفاقنا مع كثير من ثوابته في السياسة الخارجية، ولهذا فإن التهجم على أوباما، انطلاقا من استفزازه لتغيير سياسة أمريكا، هو عمل لا يدل على أن صاحب التهجم يفقه شيئاً في السياسة الأمريكية على وجه التحديد، أو في أنظمة الحكم الغربية بشكل عام.

فالولايات المتحدة لن تتنازل بسهولة عن حقيقة سعت كثيراً للحصول عليها، والتي تتمثل في تفردها بأكبر قوة في العالم، من الناحية العسكرية أو الاقتصادية، فهي تقود الكثير من السياسات العالمية، بما فيها سياسات أوروبية وغربية وشرقية، وهذه المكانة لا يمكن التنازل عنها إلا بالقوة، التي تعني هزيمتها في حرب عالمية تقضي على مقدراتها العسكرية والاقتصادية، كما حدث مع القوى الاستعمارية العظمى التي حكمت أجزاء كبيرة في العالم، قديماً وحديثاً مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا والرومان وغيرهم.

ولا شك أن هذه الصفة النادرة التي لا تتحقق إلا كل قرن من الزمان تقريباً، ليست شرفية، ولا تصرف الدول عليها حتى تحتفظ بها، وإنما هي صفة تستغل استغلالا شنيعاً. فالولايات المتحدة تعمل كل ما في وسعها وبطرق شتى، لجعل العالم تابعاً لها سياسياً واقتصادياً، وجعله أيضاً سوقاً لمنتجاتها، بل ومنتجعاً لسياحة مواطنيها ومتعتهم، خاصة العالم الذي يكتنز موارد طبيعية هائلة، كالنفط والذهب والغاز واليورانيوم وبقية المعادن الثمينة. وبما أن هذه الموارد منتشرة في القارات الخمس، فإن على أمريكا أن تتواجد في هذه القارات، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، حتى تتمكن من السيطرة أو الاستغلال الأمثل لتلك الموارد والثروات.

وبناء على ذلك، ليس من المستهجن أن يكون الكيان الصهيوني الطفل المدلل لأمريكا في الشرق الأوسط، لأنه يمكّنها من ممارسة الهيمنة على منابع النفط وطرق إمداده، وبذلك تلتقي المصالح الثنائية بين أمريكا الطموحة جداً، وبين الكيان الصهيوني الذي يسعى إلى إثبات حقه في الوجود حتى اليوم، وبذلك، يكون على أي رئيس أمريكي، حتى ولو كان مسلماً، أن يتحالف مع الكيان الصهيوني، لأنه الأقوى، والأكثر ديمقراطية، والأغنى من حيث الدراسات والبحث العلمي والابتكار، ويستحق أن يراهن عليه، من وجهة نظر أمريكية، وبالتالي فإن هذا الأمر يعتبر من الثوابت الأمريكية، فهل كان الظواهري يعتقد أن يقوم أوباما بالانسحاب الفوري من العراق وأفغانستان لأن بشرته مختلفة؟ في الوقت الذي انتظرت أمريكا سنوات طويلة لتضع جندياً من جنودها على حدود ما كان يسمى بالاتحاد السوفييتي والصين الشيوعية الاشتراكية، وقد تحقق لها ذلك عن طريق أفغانستان، ولهذا السبب، فإن من يظن أن أمريكا مستعدة للانسحاب من أفغانستان في المدى المنظور هو إنسان لا يقرأ التاريخ بشكل جيد وطبيعي، ومن يعتقد أن أمريكا ستنسحب فعلاً من العراق، لا بد أن يعتقد بنفس القدر أن الجيش الصهيوني سينسحب من فلسطين التاريخية. وهما أمران متشابهان وقريبان من المنطق، فلا أمريكا ستفعلها ولا الكيان الصهيوني سيفعلها، وإنما قد يحدث العكس، والمتمثل في زيادة القوات الأمريكية في أفغانستان وإقدام الكيان الصهيوني على احتلال مناطق السلطة الفلسطينية مجدداً، رغم أنه يتواجد فيها بشكل أو بآخر.

إن تغيير السياسة الأمريكية تجاه القضايا العربية والإسلامية لا يبدأ مع تغيير الرئيس الأمريكي، وإنما من خلال تغيير عربي إسلامي جذري يطال الكثير من المفاهيم والقيم، وعلى رأسها إطلاق الحريات ومحاربة الفساد وإفشاء وتطبيق مبدأ المحاسبة ليطال كل شرائح المجتمع، من رأس قمة السلطة إلى القاعدة الجماهيرية، وباختصار صناعة دولة القانون وتحقيق العدالة التي توازي بين الناس، إضافة إلى أن يكون للشعوب رأيها في القضايا الرئيسية والقرارات المصيرية، وإعلاء قيمة العلم والإبداع، والتوقف عن إعطاء الناس جرعات المخدر من خلال المسلسلات والبرامج وكرة القدم وغيرها، مع ضرورة تحقيق الاكتفاء الذاتي في المأكل والمشرب والصناعات الاستراتيجية وتكنولوجيا المعلومات، لأن الدول العظمى ومن بينها الولايات المتحدة التي تقض مضجعنا، لم تعد في حاجة ماسة لإرسال جنودها خارج الحدود لتستولي على البهارات الهندية أو النفط العربي أو الألماس الإفريقي، فلديها من الوسائل التي تمكنها من الحصول على مبتغاها بسهولة ويسر، ناهيك عن أن الأنظمة ذاتها أمريكية بملامح آسيوية وإفريقية.

إن السياسة الأمريكية ستتغير حين تتغير المفاهيم، وتتوقف الأمزجة عن التحكم بخلق الله، وحين يأتي رجل ويقول كما قال الخليفة أبو بكر الصديق في خطبته: (أيها الناس، لقد وليت عليكم ولست بخيركم، إن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على خطأ فصوبوني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم، إلا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له، وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه)، فهل لو طبقنا هذا (الدستور) على أي مجتمع عربي، هل تبقى طاعة لمسؤول؟ وهل ستتغير السياسة الأمريكية لو طبق أحد الساسة ما ورد في الخطبة؟ الإجابة: نعم ستتغير، وتتحول من سياسة عدوانية إلى سياسة قائمة على الاحترام، فالضعيف فقط هو الذي يتعرض للعدوان، والأعزل يغري المسلح دائماً بالسيطرة عليه، كما يشجع الحمل الذئب للاعتداء عليه.

إن على العرب والمسلمين، وكل من يعد الأيام لوصول أوباما للبيت الأبيض، كي يحدث تغييراً في سياسة أمريكا نحو العالم، فإنه سينتظر أكثر، وربما لسنوات طويلة، وعليه أن يفعل كما سيفعل أوباما نفسه: إصلاح الخراب الداخلي في المجالات السياسية والاقتصادية والتعليمية والتربوية، وتطبيق القانون على كل الناس. عندها ستتغير أمريكا، لأنها ستجد نفسها أمام دول تضاهيها في احترام القانون والإنسان، وبالتالي فهي ند لها.

إن التغيير في طريقة التفكير، الذي يضمن لنا التغيير في نظرتنا لأنفسنا ومراكز عائلاتنا وقبائلنا ويعيد تقييم حقوقنا وواجباتنا وحدود ملكياتنا، فإذا تحقق، سندخل عالماً جديداً ومتجدداً، وسنفتخر بانتمائنا للعروبة، وسنفرض احترامنا على العالم أجمع، فمتى سيبدأ، ومن الذي سيحمل هذه الشعلة التي نقر بأنها حمل ثقيل، ومسارها طويل؟ إن الخطوة الأولى ستقود إلى خطوات، ومشوار الألف ميل يبدأ بخطوة واحدة.

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"