عبدالله السويجي

هل لا يزال الشعب العربي يحلم بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتغيير التي خرج من أجلها في العام 2011 وسُمّيت ب«الربيع العربي»؟، أم أنه يراقب ما يحدث بقلق في جميع البلدان التي شهدت هذا (الربيع) وأنه لن يكرر المآسي التي لا يزال يعيش تداعياتها حتى اليوم؟. كثيرون يعتقدون أن ما حدث في الجزائر ويحدث في السودان، هو بعث لحلم الربيع، وأن الشعوب تعلمت الدرس ولن تلجأ للعنف، والمليونيات كفيلة بإحداث التغيير واستبدال الأنظمة.
هناك مسألة يدركها المهتمون في أنظمة الحكم، وتقول بأن تغيير شخص، أي رئيس الدولة، واستبدال شخص آخر به، لا يعني تغيير النظام. فالنظام مصطلح يتجاوز نوع الحكم السياسي ليشمل المؤسسات وطرق عملها والدساتير وتطبيق القانون والسياسات الداخلية، حتى إنه يشمل العقليات وطرق التفكير وأدواتها، وبمعنى آخر المنظومة. فكيف يمكن تغيير نظام فردي إلى نظام ديمقراطي، على سبيل المثال، دون الإطاحة بسلطة المتحكمين بالحياة السياسية وإدارة المجتمع، وكيف يمكن تطبيق الديمقراطية والمناداة بديمقراطية توافقية تستند إلى تمثيل الطوائف والمذاهب والأديان. فالديمقراطية تتناقض مع العشائرية ومع الطائفية، وتغيير النظام يجب أن يشمل قاع المجتمع والمفاهيم وأساليب معالجة المشاكل الاجتماعية، التي يجب أن تتم عبر القانون، باختصار، تغيير النظام هو إرساء دولة القانون.
نستطيع القول إن عملية تغيير الأنظمة في الوطن العربي فشلت فشلاً ذريعاً حتى الآن، وما حصل في معظم الحركات، هو استبدال أشخاص فقط من دون المساس بالنظام، وبات الناس يترحّمون على أنظمة العهود البائدة في السر والعلن، ولهذا فإن الربيع الذي ولّد أكثر من خريف لم يعد مرغوباً لدى الناس، الذين يئسوا وزادت رغبتهم في الهجرة.
«الربيع» ترك وراءه إرهاباً مقيتاً، ومخطئ من يقول إن الإرهاب انتهى، فالعمليات الدموية التي تعرضت لها سيريلانكا تثبت أن الإرهاب لا يزال مزدهراً، وعودة ظهور أبو بكر البغدادي صوتاً وصورة تؤكد أنه حي يُرزق، وينشط بأساليب مختلفة، فالمجموعات التي نفذت هجمات سيريلانكا موالية لتنظيم «داعش»، ما يعني أنه غيّر إستراتيجيته وتكتيكاته أيضاً، وهذا يشكل خطراً أكبر من السابق، والعالم بدأ يتوقع عمليات في أي مكان.
أبو بكر البغدادي موجود و«داعش» موجود، والأنظمة لا تزال موجودة رغم تغيير الأشخاص ومرور سنوات على الإطاحة بالحكام المستبدين.
تغيير الأنظمة يجب أن يتم من القاعدة، أي من الشعب، عن طريق ترسيخ الوعي وتطوير الحاسة النقدية لدى الإنسان، والإقبال على التعليم، واحترام العمل، ومحاربة الرشوة وسرقة المال العام، وتطوير المرأة وإعطائها حقوقها وتعزيز كيانها وشخصيتها، وتعزيز القيم. إذ ما فائدة تغيير النظام بينما الشعب يؤمن بالطائفية ويمارسها في حياته ولا يسعى إلى ترسيخ التسامح؟، ما فائدة الديمقراطية والشعب منقسم إلى أحزاب متقاتلة متشاجرة ومحتقنة؟، ما فائدة الديمقراطية ولا تزال الأمية تنخر جسد الشعوب العربية، وينتشر زواج القاصرات، ويتم النظر إلى المرأة ككائن ثانوي في المجتمع؟.
الأجيال العربية الصاعدة مأخوذة بالنموذج الغربي، ثقافةً ولغةً وفنّاً وسلوكاً ولباساً، وتنأى بنفسها عن قضايا أمتها، وتسعى إلى الهجرة للعيش في بلدان تحترم آدميتها. الأجيال تخلت عن أدوارها الوطنية الشاملة، ولهذا، فإن أي تغيير لا يشمل هذه الأجيال ويضع في الحسبان متطلباتهم وأحلامهم سيلقى فشلاً ذريعاً، ونسبة الشباب في المجتمع العربي كبيرة جداً، هؤلاء هم النظام، وعليهم تقع مسؤولية التغيير.
صحيح أن التغيير يحتاج إلى قيادات مخلصة، ولكنه أيضاً يتطلب استجابة واعية من شريحة الشباب، وهذا الأمر يعيدنا إلى أهمية التعليم كركيزة أساسية للتغيير والانتقال من مرحلة إلى أخرى. فعلى من يريد ربيعاً عربياً جديداً، عليه المناداة بربيع تعليمي، ومناهج بناءة، هيئات تعليمية وإدارية ملتزمة، فتغيير الأنظمة عملية طويلة الأمد، ولا تتم بكلمة واحدة (ارحل)، لأن النظام ليس شخصاً وإنما منظومة متكاملة ومتداخلة، والنظام التعليمي الحقيقي هو الذي يُنتج قيادات للتغيير المستدام، وليس للتغيير المرحلي.
إن تغيير قيادة عسكرية بقيادة مدنية أو قيادة حاكمة بأخرى جديدة في الحكم، عملية لا تدوم كثيراً، لأن المجتمعات تمارس السلوك ذاته بالقناعات ذاتها التي أدت إلى تشكيل الأنظمة التي يحاربونها اليوم، (فكما تكونوا يُولىّ عليكم). لهذا، إن كان هناك في هذه الأمة من يريد تطويرها وخيراً لمستقبلها، عليه أن يقوم بربيع ثقافي تعليمي قيمي سلوكي حتى يتحقق النجاح، وإلاّ سنشهد كل يوم انقلاباً عسكرياً أو مدنياً، وستبقى المجتمعات في حالة فوضى وجهل وتزمت وتطرف، ومرشحة لحروب أهلية.

[email protected]