منذ اليوم الذي غزت فيه الولايات المتحدة والمملكة المتحدة العراق، فإن ذلك "الثراء الخصب"، المجتمعي، والثقافي، والتاريخي، يتعرض للمحو عمداً وبصورة منظمة، في واحدة من أعتى المعارك الثقافية الفاصلة في التاريخ، وأشدّها تدميراً واستبداداً وتدنيساً وسحقاً .
يوم التاسع عشر من مارس/ آذار، يُحيي الذكرى السنوية الثانية عشرة لتدمير تلك "البوتقة"، التي لا تزال تُحفها وعجائبها الأثرية قيْدَ النهب والتدمير المستمرّيْن .
عندما جرى نهب المتحف الوطني (بين 10- 12 أبريل/ نيسان 2003)، وقف الجنود الأمريكيون جانباً - بينما راح رفاقهم يحرسون وزارة النفط بكل يقظة واحتراس .
وبينما كان يجري نهب بعض أفخم وأجلّ تحف العصور القديمة - نحو خمسة عشر ألف قطعة - قال دونالد رامسفيلد، مدللاً على اعتلال ثقافي مبين: "مثل هذه الأشياء تحدث" .
كان الجيش الأمريكي قد أعطيت له إحداثيات مواقع كل المتاحف، والتماثيل والأنصاب والمواقع الأثرية . و"العراق برمّته كنزٌ أثري"، كما ذكر أحد علماء الآثار في ذلك الوقت . ومع ذلك، تصدّرت القوات الأمريكية مساعي التدمير، إذ استحدثت قاعدة عسكرية في موقع "الحدائق المعلقة" الأثري في بابل (التي يعود تاريخها إلى 2300 سنة قبل الميلاد) . وتم تجريف تحف أثرية قديمة، من أجل بناء مهبط للطائرات المروحية . وفعلوا الشيء ذاته بجانب ما يُعتقد أنه مهبط رأس النبي إبراهيم، بالقرب من معبد زيغورات العظيم في أور . ويرجع تاريخ أور إلى 3800 عام قبل الميلاد ولكنها مدونة في التاريخ المكتوب من القرن السادس والعشرين قبل الميلاد .
بعد أن أعلن جورج دبليو بوش "حربه الصليبية" على حدّ تعبيره، دخل الجنود الأمريكيون المشاركون فيها، العراق المسلم في غالبيته (مثل أفغانستان) مع ألوف من نسخ الإنجيل التي قُدّمت لهم مجاناً، ولكنهم مع ذلك، كانوا يجهلون فيما يبدو بصورة مطبقة، أن بابل- مثلما أور- التي كانوا يدمرونها، مقدسة في الديانات الإبراهيمية الثلاث، وأن ذكرها ورد في الإنجيل في أسفار دانيال، واشعيا وإرميا . كما ورد ذكر أور ثلاث مرات في سفر التكوين وسفر نِحِميا .
وقد أسفر تخريب الجنود الأمريكيين الإجرامي عن "تحويل بابل إلى مكان جَرْد من الناحية الآثارية" (كما ذكرت صحيفة الغارديان في 8 يونيو/ حزيران 2007) . . وجرى استخدام "باحة "خان الرَّبع" الذي يعود تاريخه إلى القرن العاشر، مكاناً لتفجير الأسلحة التي تمّ الاستيلاء عليها . وقد هدم أحد التفجيرات أسطحته القديمة، وأطاح كثيراً من جدرانه . والمكان الآن بمثابة أطلال" .
واستمرّ التدمير في أنحاء العراق، على أيدي كلٍّ من قوات الاحتلال، والعصابات والزُّمر المنفلة التي دخلت العراق مع الغزو، ونظراً للتخاذل عن حماية الحدود من قِبل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة البلدين اللذين يقرُب اهتمامهما بالسيطرة على حدودهما من جنون الارتياب .
ويقارن علماء الآثار والمؤرخون المحدَثون ما جرى بنهب بغداد على أيدي المغول عام 1258 .
وفي التاسع من مارس/ آذار، يوم جمعة المسلمين، تم تجريف مدينة نمرود القديمة من قِبل البدائيين الهمج الذين أطلقوا على أنفسهم اسم "الدولة الإسلامية"، وتدمير عاصمة ما أصبح "الإمبراطورية الأشورية الجديدة"، التي يرجع تاريخها إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد . وكان الموقع يحتوي أيضاً على بقايا قصر "آشور نصير بال"، ملك آشور (883-859 ق .م) الذي اتخذ نمرود عاصمة له .
وذكر مصدر محلي لوكالات الأنباء، أن نفائس نمرود قد نُهبت ثم جرت تسوية المدينة بالأرض . ظلّ أحد مداخل هذا الموقع الخالد، حتى الأسبوع الماضي، تحت حراسة ثيران وأسود برؤوس آدمية وأجنحة صقور . وكان هؤلاء الحراس يقفون منتصبين بشموخ أمام كل ما عصف بالمنطقة من قلاقل واضطرابات خلال ما يقرُب من ثلاثة آلاف عام، ليكون مصيرهم مع كل ما كانوا يحرسونه، التدمير على أيدي الإرهابيين الذين زرع بذورَهم غزوُ بوش وبلير الإجرامي .
في القصر الجنوبي الغربي، معبد نابو، إله الحكمة، والفنون والعلوم، الذي يُعتقد أنه نجل الإله البابلي، مردوك . ويُحتمل أن يكون قد شُيِّد بين 810- 782 ق .م .
قال المؤرخ توم هولاند لصحيفة الغارديان:
"إنها جريمة ضدّ آشور، ضدّ العراق، وضدّ البشرية . دَمِّر الماضي، تسيطرْ على المستقبل . كان النازيون يعرفون ذلك، وكذلك الخمير الحمر - ومن الواضح أن الدولة الإسلامية تعرفه أيضاً" .
وبعد ذلك بيومين، ذُكر أن دماراً كبيراً لحق بمدينة الحَضَر، إحدى الأعاجيب في العالم . كانت مدينة الحضر قد شُيِّدت قرابة القرن الثالث أو الثاني قبل الميلاد، في الوقت ذاته التي شُيِّدت فيه المدن العربية العظيمة، تَدمُر في سوريا، والبتراء في الأردن، وبعلبك في لبنان . وقد صمدت مدينة الحضر في وجه هجمات الامبراطورية الرومانية المتكررة، ليطيح بها أولئك الذين فرّختهم أعمال بوش وبلير .
وفي اليوم التالي لتدمير الحضر، دُمرت رابع عاصمة للأشوريين، خرس آباد، التي بناها سِرجون الحادي عشر (721-705 ق .م) .
كانت خرس آباد قد تعرضت لنهب واسع من قِبل الفرنسيين في القرن التاسع عشر، ومن قبل الأمريكيين فيما بين 1928 و1935 . وقام البريطانيون والألمان بقدر معين من النهب في جنوبي العراق، وفي بابل وأور بشكل بارز، كما تشهد على ذلك متاحفهم الوطنية .
في الأسبوع الذي سبق تدمير نمرود، تم إحراق ما يقرُب من 113 ألف كتاب ومخطوط لا يمكن تعويضها في مكتبة الموصل، من قبل المتوحشين في "الدولة الإسلامية"، ضمن ما تصفه المديرة العامة لليونسكو، ايرينا بوكوفا بأنه "تطهير ثقافي" . .
كما جرى إحراق ما يزيد على مئة مكتبة شخصية لعائلات بارزة من الموصل، كانت تحتفظ بها "على مدى القرن المنصرم" . . وفي الأسبوع ذاته هوجم متحف الموصل، وتم تحطيم تماثيل أشورية وغيرها .
العراق، كما فلسطين، يجري طمسها ومحوُها، كما تتعرض ليبيا، وسوريا، وحتى أهرام مصر العظيمة للخطر، مِن قِبل مَن صنعتهم "حملة" بوش وبلير "الصليبية" .
يوجد للولايات المتحدة، والمملكة المتحدة وكندا وغيرها من الدول "مستشارون عسكريون" في العراق . ولكنهم صامتون إزاء جرائم المغول الجدد، ولا يحركون إزاءها ساكناً . ويلوذ موقعا السفارتين الأمريكية والبريطانية على الإنترنت بصمت مشابه . ومع ذلك، كُتب على موقع السفارة الأمريكية ما يلي:
"بالنسبة إلى حالة السجل اليهودي العراقي:
"28 يناير/ كانون الثاني، 2015 .
"يظل السجل اليهودي العراقي في رعاية السجلات الوطنية الأمريكية، وإدارة السجلات، بينما توضع اللمسات الأخيرة على خطط لإقامة معارض له في المستقبل في الولايات المتحدة . ولم تخرج أي من المواد في السجل اليهودي العراقي خارج الولايات المتحدة . وتظل الولايات المتحدة، ملتزمة بشروط اتفاقها مع حكومة العراق" .
وهكذا، فإن السجلات اليهودية العراقية (التي تمّ وضع اليد عليها من قِبل الولايات المتحدة في مايو/ أيار 2003)، والتي ظلت مصونة في العراق منذ مئات السنين، تمّ إبعادها خفية من قِبل الولايات المتحدة . ومع ذلك، كانت الولايات المتحدة متواطئة في (بابل، وأور، ومتحف بغداد وغيرها)، ومتقاعسة عن اتخاذ أي إجراء بينما "يتم نهب وتدمير إرث العراق المتنوع" بصورة منظمة" .

فيليسيتي اربوتنوت 
* موقع غلوبال ريسيرتش