ماذا يحدث حين تكون المفاجأة غير مُفاجِئَة على الإطلاق؟

ستكون هذه مفاجأة .

أو هذه على الأقل هي الطرفة التي تُروى عن رجل أمضى جلّ حياته وهو يستغرب أي حدث، أو أي تطور، أو أي شيء . وحين أفاق في يوم ما وشعر بأنه لايستغرب، استغرب أنه لايستغرب .

هذا قد يكون، على وجه التقريب، حال العراق هذه الأيام . ففي حين اعتقد الجميع أن الانتخابات العامة فيه ستجري كما هو مقرر في 31 يناير/كانون الثاني ،2010 خاصة بعدما أقرّ مجلس النواب في 18 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي قانون الانتخابات الجديد، إذا بالأمور تعود فجأة إلى نقطة الصفر مجدداً .

الهاشمي نائب الرئيس السنّي مارس حقه الدستوري في نقض القانون . وبعدها بأيام كان الشيعة والأكراد يردون التحية برمّتها ويصوّتون في مجلس النواب على نسخة معدلة من قانون الانتخابات أسوأ من سابقتها .

وهكذا، عادت المعركة حول قانون الانتخابات إلى سابق عهدها، وباتت الانتخابات نفسها على كف عفريت، ما يهدد بوضع العراق برمته على فوهة بركان متفجر، إذا لم تجر الانتخابات قبل 15 مارس/آذار المقبل .

هذه كانت المفاجأة .

أما لامفاجأة المفاجأة فكمنت في أن كل ماجرى، وسيجري لاحقاً، كان أمراً بديهياً تُمليه حقائق بديهية: فما بُنِيَ على نصل الانقسامات المذهبية والعرقية، بسيف هذه الانقسامات نفسها يهوي . وما كانت في الأصل أساسات فاسدة، لا يمكن أن تخدم كقاعدة يُشاد فوقها قصر منيف، أوحتى كوخ سخيف، سليم وصحّي .

التقسيمات الطائفية في العراق هي الآن هذه الأسس الفاسدة، التي جاءت الديمقراطية التوافقية الراهنة لتكرّسها (أو بالأحرى لتكرّس انقساماتها) في صيغ دستورية وقانونية . لكن، ولأن التوازنات الطائفية لا تستقر على حال بسبب التغيّرات الديموغرافية والاجتماعية الدائمة، ناهيك عن تدخلات القوى الخارجية التي تسمح بها هذه الانقسامات، فإن هذه الديمقراطية العرجاء سرعان ما تتحوّل إلى بطة عرجاء يتنافس الجميع على قنصها ثم ذبحها وشيّها .

في الدول التعددية كبلجيكا وسويسرا وغيرهما، نجحت الديمقراطية التوافقية لأنها كانت مجرد مرحلة انتقالية إلى الديمقراطية الليبرالية الحقيقية . وفي الدول التعددية الأخرى كلبنان ويوغوسلافيا السابقة، فشل هذا النوع من الديمقراطية لأنه تجمّد في مكانه وجمّد معه كل/وأي تطور سياسي- اجتماعي- ودستوري قانوني .

العراق الآن، كما تدل كل المؤشرات، سيحذو حذو لبنان ويوغوسلافيا، لابلجيكا وسويسرا . إذ إن فرص الانتقال من التوافقية إلى النضج تبدو صعبة المنال . لا بل الأرجح أن العكس سيكون صحيحاً: العراق ينحدر في ظل هذه التوافقية إلى هاوية التشرذم الانفجاري بدل الصعود إلى ذرى التوحّد الديمقراطي .

كتبت الباحثة الأمريكية البارزة مارينا أوتاوي قبل أيام: المعركة حول قانون الانتخابات العراقي لما تنته بعد وستكون لها عواقب وخيمة للغاية، لا بل هي أسفرت بالفعل عن تصليب عود الانقسامات المذهبية والعرقية في طول البلاد وعرضها، حيث يشعر بعض الأطراف بالغضب والظلم . لا بل أكثر: العراق سيواجه قريباً عاصفة كاملة، مع وجود برلمان انتهت ولايته وحكومة تفتقر إلى شرعية برلمانية .

من في وسعه إنقاذ بلاد العباسيين من هذه العاصفة الكاملة الزاحفة؟

حتماً ليس الديمقراطية الطوائفية الراهنة . وهذا مايجعلنا لن نفاجأ البتة إذا ما وقعت انهيارات انتخابية وغير انتخابية مفاجئة .

saad-mehio@hotmail .com