يتفق الكل على أن الرسوم المفروضة على الخدمات الحكومية قد زادت بشكل كبير في السنوات الأخيرة. وكانت هذه الزيادة تشكل مدخلاً للإيرادات الحكومية حيث تقدم الحكومة خدمات متميزة ومتنوعة وتجهد في إنشاء بنية تحتية متطورة في دولة لم تكن تفرض أي نوع من الضرائب بل اعتماداً على موارد الحكومة الذاتية وهو أمر لم يكن قابلا للاستمرار.
وقد أدركت الحكومة العبء الذي يواجهه قطاع الأعمال في الآونة الأخيرة جراء تباطؤ النمو الاقتصادي فأرادت أن تخفف عن كاهله بعضاً من عبء الرسوم المتزايدة. فكان قرار مجلس الوزراء برئاسة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بتاريخ 2018/3/1 بتجميد أية زيادة في الرسوم الاتحادية لمدة ثلاث سنوات. كما كان قرار المجلس التنفيذي لإمارة دبي برئاسة سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي ورئيس المجلس التنفيذي في 2018/3/5 بعدم زيادة رسوم حكومة دبي خلال السنوات الثلاث المقبلة. وهذا التوجه في الحد من الارتفاع الكبير الذي حصل على مستوى الرسوم الحكومية سواء على المستوى الاتحادي أو المحلي توجه صائب وصحيح. فزيادة الرسوم لا تعني بالضرورة زيادة الدخل والإيراد كما قد يظن البعض. بل إن الزيادة قد تؤدي أحياناً إلى انخفاض في العوائد التي تجنيها الحكومة فلا تتحقق الغاية من زيادة الرسوم بل على العكس تكون النتيجة سلبية.
فلو نظرنا مثلا إلى زيادة رسم تسجيل الأراضي الذي تضاعف من 2% إلى 4% نرى أن إيرادات الحكومة نتيجة لمضاعفة الرسم لم تتضاعف بل على العكس انخفضت هذه الإيرادات نتيجة لانخفاض عمليات البيع والشراء. فمضاعفة رسوم التسجيل أصابت القطاع العقاري وهو من محركات الاقتصاد المهمة في إمارة دبي في شبه مقتل.
وكذلك فقد طبقت الحكومة الاتحادية الضريبة الانتقائية في الربع الأخير من عام 2017 على سلع معينة منها منتجات التبغ إذ تم فرض ضريبة انتقائية بقيمة 100% عليها ما أدى إلى مضاعفة الرسوم على منتجات التبغ التي كانت تبلغ أصلا 100%. ومع أني لا أملك إحصاءات بشأن مدى تأثير هذه الزيادة في الضريبة على عائدات الحكومة من الضرائب المفروضة على التبغ إلا أنني أجزم أن مضاعفة الضريبة لم تؤد إلى مضاعفة الدخل. ودليلي في ذلك مبيعات تجار التبغ التي شهدت انخفاضاً بسبب زيادة عمليات التهريب وهذا الأمر سبق حدوثه في بلدان أخرى قريبة منا إذ أدت مضاعفة الضرائب المفروضة على منتجات التبغ إلى زيادة عمليات التهريب بشكل كبير وانخفاض العوائد الحكومية من الضرائب المفروضة نتيجة لذلك.
وكذلك هناك الزيادات المتتالية لرسوم المدارس الخاصة حتى بلغت مستويات خيالية وجاوزت الرسوم المدرسية المفروضة لدينا رسوم بعض أرقى الجامعات العالمية. إذ إن هذه الزيادات غير المنطقية أدت إلى أن عدداً لا يستهان به من العوائل القاطنة في الدولة غادرت إلى موطنها الأصلي مع بقاء المعيل فقط في الدولة. وهذا أدى إلى خسارة الاقتصاد ككل قوة شرائية كبيرة كانت توفرها تلك الأسر. واليوم تدفع هذه المدارس الخاصة أثر ما جنته يداها إذ اختفت قوائم الانتظار وبدأت بعض الصفوف تعاني شح الطلاب الأمر الذي دفع بعض هذه المدارس إلى تخفيض الرسوم الدراسية ولكن بعد فوات الأوان كما يبدو.
وعلى نفس المنوال فقد بلغت زيادة الإيجارات في المجمعات التجارية بشكل غير مسبوق في السنوات الأخيرة حداً أصبحت فيه هذه المجمعات تربح أكثر من أصحاب المحال التجارية، وأدت هذه الزيادات إلى إغلاق العديد من المحال حتى أصبحنا نرى لأول مرة محال خاوية في بعض أكبر مراكز التسوق لدينا.
وأدت هذه الرسوم المتزايدة سواء من حيث الإيجار أو الرسوم الحكومية إلى ارتفاع كلفة ممارسة الأعمال خاصة بالنسبة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة التي هي عماد الاقتصاد وخروج الكثير منها عن العمل لعدم وجود الجدوى الاقتصادية لاستمرارها. ولهذه المشاريع حديث آخر في مقال لاحق.
لقد آن الأوان أن ندرك أن محاولة زيادة الإيرادات بشكل سريع وكبير دون النظر إلى العائد على الاقتصاد الكلي قد تحقق بعض الزيادة في المداخيل على المدى القصير ولكن ضرر ذلك في المديين المتوسط والبعيد يكون كبيراً، فليس فقط أنه لا يحقق الغاية منه وإنما تكون له آثار سلبية تحتاج إلى معالجة جذرية وحاسمة لمحوها.
زيادة الرسوم وانخفاض العوائد
7 أكتوبر 2018 02:57 صباحًا
|
آخر تحديث:
7 أكتوبر 02:57 2018
شارك
د. حبيب الملا