سلاح أمريكي في أفغانستان ضد روسيا

04:38 صباحا
قراءة 4 دقائق

انتقد سفير روسيا لدى حلف شمال الأطلسي الناتو بشدة كلاً من الحلف والولايات المتحدة لتخليهما عن مكافحة تجارة المخدرات في أفغانستان، قائلاً: إن هذه السياسة أدت إلى فورة كبيرة في تهريب الهيروين، مما يعرض الأمن القومي الروسي للخطر .

وقال السفير ديميتري روغوزين في بروكسل الشهر الماضي إن روسيا تخسر أرواح 30 ألف شخص سنوياً بسبب تجارة المخدرات الأفغانية بالإضافة إلى وجود مليون مدمن روسي على المخدرات ما يجعل هذا الوضع بمثابة حرب غير معلنة ضد بلاده، ولكن الجنرال الأمريكي ستانلي ماكريستال قائد القوات الأمريكية والأطلسية في أفغانستان اتبع في الأشهر الأخيرة سياسة جديدة يسعى من خلالها لكسب تأييد السكان الأفغان، وهي سياسة تركت المزارعين الأفغان يختارون زراعاتهم بحرية . ولاحظ السفير الروسي تناقضاً في سياسة واشنطن إزاء تجارة المخدرات العالمية قائلاً إنه على النقيض من أفغانستان، فإن الولايات المتحدة تشن حرب مخدرات في كولومبيا لأن هذا البلد هو المصدر الأول للكوكايين الذي يصل إلى أمريكا ولكن في ما يتعلق بالهيروين الذي يذهب إلى روسيا أو البلدان الأخرى فإن الأمريكيين لا يفعلون عملياً أي شيء، وقد ازداد إنتاج المخدرات عشر مرات منذ الغزو الأمريكي لأفغانستان عام ،2001 وفي الواقع فإن المهربين ينقلون الهيروين الأفغاني بحرية باتجاه الشمال إلى أسيا الوسطى وروسيا وكذلك باتجاه أوروبا الغربية .

وتشكّل مشكلة تعاطي المخدرات إحدى أبرز المشكلات المعاصرة التي تعاني منها المجتمعات على اختلاف مستوياتها المتقدمة والمتخلفة وتهدد أمنها وسلامتها، وهي من المشكلات الاجتماعية التي تؤثر في بناء المجتمع وأفراده بما يترتب عليها من آثار اقتصادية ونفسية وصحية سيئة . وتجدر الإشارة إلى أن تقريراً صادراً عن مكتب الأمم المتحدة المعني بمكافحة المخدرات والجريمة قد أورد أن أفغانستان تنتج 92% من الأفيون في العالم، وهي المادة المخدرة التي يصنع منها الهيروين والمورفين، ويورد الأفيون إلى سوق قيمتها 65 مليار دولار، ويمر أكثر من 40% منه عبرالحدود الأفغانية الباكستانية، و30% عبر إيران وما يقرب من 25% عبر دول وسط آسيا، وتعد دول البلقان المعبر الرئيسي لمرور المخدرات نحو دول أوروبا . ويتعاطى الأفيون ما يقارب 15 مليون مدمن في العالم، ويؤدي إلى وفاة 100 ألف شخص سنوياً، ويستهلك الأوروبيون 88 طناً من الهيروين سنوياً، ويتجاوز ضحايا الأفيون في دول أوروبا خسائر حلف شمال الأطلسي (الناتو) في الأرواح خلال الحرب في أفغانستان، حيث تخسر قارة أوروبا 10 آلاف شخص سنوياً بسبب الإدمان على المخدرات الآتية من أفغانستان .

وتمارس زراعة الأفيون في الوديان العميقة الوعرة بين الجبال في 28 ولاية من ال 34 ولاية المكوّنة لأفغانستان، وتدر أرباحاً طائلة على المزراعين الفقراء مقارنة بمحاصيل أخرى كالقمح مثلاً . فتوفر الظروف المساعدة في أفغانستان جعلها في مقدمة الدول المنتجة للأفيون، حيث ينتشرالفقر والأمية، إذ إنها خامس أفقر بلد في العالم، ويبلغ تعداد سكانها 28 مليوناً، ويعيش 42% منهم بأقل من 14 دولاراً في الشهر، وتسكن أغلبية الشعب الأفغاني في القرى والجبال بينما تسكن القلة في المدن، وتشهد الظروف المعيشية والخدمات الأولية في البلاد تدهوراً حاداً، ويعاني أكثر من 70% منهم من سوء التغذية، وتحيق مخاطر المجاعة بالمناطق الفقيرة على الدوام .

وتصل نسبة الأمية في أفغانستان إلى 90% لدى النساء و63% لدى الرجال في المناطق الريفية حيث تعيش الغالبية من السكان، ويحتاج على الأقل 11 مليون أفغاني من سن 15 فما فوق لمحو أميتهم وتطوير مهاراتهم . بالإضافة إلى عوامل أخرى كضعف القانون الجنائي والحماية التي يوفرها أمراء الحرب وكبار المسؤولين في الشرطة والجيش والجهاز الإداري الأفغاني، وقيام عصابات وتجار المخدرات بشراء صمتهم بالرشوة أو بقتلهم مما يجعلهم وراء العديد من أعمال العنف وتدهور الحالة الأمنية . ويقوم هؤلاء بدور محوري في انتشارها، فهم الذين يدعمون المزارعين حيث يأخذ الفلاحون منهم قروضاً قبل موسم الزراعة في الشتاء ويسددونها في الربيع معتمدين على سعر الأفيون الخام، وفي حالة تراجع الأسعار عن العام الماضي يصبح المزارعون مدينين لهولاء التجار .

وقد ازداد إنتاج الأفيون بعد الغزو الأمريكي لأفغانستان في أعقاب هجمات 11 سبتمبر/ أيلول . وتنتشر المخدرات في حوالى 170 بلداً وإقليماً، حيث يزرع الحشيش وينتج في أفغانستان وباكستان وميانمار، ويزرع الكوكايين وينتج في أمريكا اللاتينية وبالتحديد في كولومبيا، وينتشر الكوكايين في القارة الأمريكية، وينتشر الحشيش والأفيون والمنشطات في آسيا وأوروبا .

وترتبط المخدرات بجرائم أخرى كالعصابات المنظمة التي تقوم بعمليات كالسرقة والخطف وغسيل الأموال، وحتى الأنشطة الاقتصادية المشروعة، حيث يصل تجار المخدرات إلى المؤسسات الكبرى ومواقع السلطة والتأثير في السياسات . كما أن هناك علاقة وطيدة بين الاتجار بالمخدرات وتمويل المتمردين والجماعات المسلحة والمجموعات الإجرامية في مختلف أرجاء العالم وبالتحديد في آسيا الوسطى وروسيا والبلقان . ووفقاً للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، يشكل الاتجار بالمخدرات خطراً رئيسياً على الأمن والسلم الدوليين وبالأخص في أفغانستان وكولومبيا وماينمار، حيث تمول تجارة وإنتاج المخدرات صراعات مسلحة طويلة الأمد، وكذلك في أماكن أخرى مثل غرب إفريقيا وآسيا الوسطى وأمريكا الوسطى ومنطقة البحر الكاريبي . ومن شأن انتشار تجارة وتهريب المخدرات في باكستان وآسيا الوسطى أن يؤدي إلى استخدم الأموال في تمويل أعمال العنف، فقد أصبحت منطقة للتبادل الحر لكل ما هو غير قانوني من مخدرات وأسلحة ومواد لصنع القنابل وعبور للمهاجرين غير الشرعيين، مما يعرقل عمليات حفظ السلام الأممية، ويحبط مساعي حل الصراعات وتحقيق السلام في أفغانستان وهايتي وغينيا بيساو وليبيريا وسيراليون ودول أخرى .

وهذه الظاهرة المتفاقمة تستدعي طرح مبادرة شاملة للقضاء على تجار المخدرات وتدمير معامل تصنيع المخدرات في المرتبة الأولى، كما تتوجب إيجاد مصدر بديل للرزق للمزارعين، وتشديد الرقابة على طرق التهريب الحدودية، وتعزيز التعاون بين الحكومات من أجل التصدي لجرائم الاتجار والتهريب وتعاطي المخدرات، وكذلك العمل على توضيح الآثار الناجمة المترتبة من تعاطي المخدرات على الشخص وبصفة خاصة التي تتصل بالنواحي الاجتماعية، وغرس الإيمان في الفرد وتدعيم الذات الأخلاقية لديه حتى لا يقع الفرد فريسة للأزمات النفسية التي تؤدي إلى انحرافات مختلفة منها العدوانية الشديدة واللامبالاة وممارسة ألوان من السلوك الضار بنفسه وبأسرته ومجتمعه وكذلك فقدان المعايير وصراع القيم الفردية مع القيم المجتمعية .

كاتب من الإمارات

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"