السياسة لم تكن يوماً بعيدة عن العاطفة، واسألوا بيل كلينتون وكوندوليزا رايس. ويذكر لنا هوميروس أن العلاقة العاطفية بين باريس وهيلين ملكة طروادة هي التي أشعلت حرب طروادة التي ذهب ضحيتها مئات الآلاف، ولم يحمل هوميروس العشيقين وزرا، كما أن أيا من المؤرخين لم يلمهما.
وتذكر التوراة أن علاقة عاطفية بين استر والامبراطور احشويرش هي التي انقذت اليهود من السبي البابلي، وعلاقة اللورد بلفور بفتاة صهيونية اسمها استر ايضا هي التي دفعته للتوقيع على الوعد الذي حمل اسمه وأسهم في تغيير شكل العالم، ولا يزال الصهاينة يعتبرون العلاقات العاطفية وسيلة مهمة من وسائل تحقيق أهدافهم، وهناك من يقول إن مونيكا لوينسكي زُرِعت في البيت الأبيض خصيصا لكي تدخل قلب الرئيس كلينتون، لا مكتبه فقط، خصوصا وأن والدها كان على علاقة بالموساد.
وإلى جانب العلاقات العاطفية بين الجنسين، هنالك المودة بين أبناء الجنس الواحد التي طالما دعمت أو أفسدت قضايا، وعندما كانت الحرب العالمية الثانية في أوج احتدامها، وبدا أن الميزان في معارك المواجهة يميل لغير صالح بريطانيا، أوفد تشرشل واحدا من كبار مستشاريه لحث الرئيس روزفلت على دخول الحرب إلى جانب بريطانيا، ويقول روزفلت في مذكراته إنه قرر أن يرفض طلب هذا المستشار حتى قبل أن يعرف ما هو الطلب، رغم أن فكرة دخول الحرب كانت تلح على وجدانه، وينتظر مناسبة لإعلانها، ويضيف: بدا عليه الصلف والكبرياء، وكان يتحدث بعنجهية، ولذلك رفضت طلبه وأدرك تشرشل العلة، فالتقى بروزفلت شخصياً، وأسمعه ما يريد أن يسمع، وقال له: إننا لا شيء من دونكم، وإذا لم تقفوا لى جانبنا وتنصرونا، فإن الحرب ستنتهي حتما لغير مصلحتنا، فوعده روزفلت بتلبية طلبه، وكان هذا اللقاء بداية صداقة حميمية بين الرئيسين.
وفي عصرنا الحاضر، تبدو الأمثلة على كيمياء العلاقات الشخصية أكثر من أن تحصر، فعلاقة رفيق الحريري الشخصية مع الرئيس الفرنسي السابق شيراك كانت هي السبب في الموقف الفرنسي تجاه لبنان، وعلاقة وزير الخارجية الألمانية السابق مع شابة إيرانية معادية للنظام في بلادها، وتعيش في ألمانيا ألقت بظلالها على موقف الوزير وموقف بلاده تجاه إيران، إلى درجة أنه تماهى مع موقف هذه الفتاة بحيث أصبحت قضيتها هي قضيته.
ويبدو أن شبابنا الذين كنا ننفق الملايين على تعليمهم في الخارج كانوا ينظرون إلى مصلحتهم الشخصية وينصرفون إلى الدراسة، لا إلى مصلحة وطنهم العربي على المدى البعيد، ولو كان أحدهم يتمتع ببعد نظر لحاول استمالة كوندا أو مادلين أولبريات أو هيلاري، ولأراحنا من ذلك العداء الأمريكي الذي لا مبرر له لنا.
ولا تستغربوا، فحرب طروادة أشعلتها فتاة اسمها هيلين، أحبها رجل اسمه باريس.