هي حرية الإنسان التي يصنعها جيل من الشباب العربي المدرك قيمتها ومعناها منذ الأزل .
إن مليون سنة من الوجود البشري، كانت خمس وتسعون إلى ثمان وتسعين بالمئة ما يمتد منها على نوع من الضياع لا نهاية له، تخلل ذلك شيء من التقدم البطيء والخجول المتواضع نحو ما تم التوصل اليه في النهاية من السيطرة على الكون . إن ما عليه البشرية اليوم لم يمض على بدايته وانطلاقته أكثر من عشرة الآف عام . فقد بدأ الإنسان مسيرته نحو الحضارة بمعناها الواسع عندما تخلى عن العيش ليومه فقط، عن العيش في مجموعات صغيرة انعزالية وتوصل إلى التنظيم الاجتماعي والسياسي، ذلك كله أخذ يتشكل خلال الألفين الرابع والثالث قبل الميلاد في جنوب بلاد ما بين النهرين، ثم تبعت مصر هذه الانطلاقة وقامت بتقليدها وتبعتها بلاد وادي الأندوس وأخيرا الصين، وبدأت مغامرة الإنسانية الكبرى ووصلت إلى ما هي عليه الآن .
فالحضارة الغربية تشكلت مع بداية التاريخ الميلادي ومصدرها الثورة الهائلة التي أطلقتها المسيحية التي ارتكزت على ملتقى علوم اليونان، وبالطبع، الماضي فات وأصبح عبارة عن دراما يعقب كل فصل منها نزول الستارة ويمكن الكشف عنها من خلال ما تركوا مما هو أقل سرعة في الزوال، فوصل بالتالي إلى البشرية في العصر الراهن، وظهرت الاسطورة كإجابة عن الأسئلة الكبرى التي يطرحها الإنسان على نفسه باحثاً عن أصله، عن سبب وجوده، عن مصير العالم ومصير الجنس البشري، وعن الظواهر الطبيعية الكبرى التي ظلت غامضة، غير أن المقاربة بين الأسطورة والفلسفة ساعدت على إدراك ما تقوم عليه حقيقة الأسطورة، فالإنسان ليس هذا الجسد الفاني بل هو فوق ذلك وأكثر من ذلك، ولهذا وجدت الأسطورة ذاتها عاجزة عن الوصول إلى الفكر المجرد العلمي وطرحت أوضاعاً خيالية لتتناسب مع معطيات مشاكل البشر، وظل هناك ألف سؤال غامض حول أمور أساسية تحيد عن سبيل العقلانية والاستمرار الموهوم .
فقد كان نبي الله موسى المؤمن الحقيقي بالله في منطقة صحراوية متعرجة في سيناء حينما تفجر الإلهام عنده وخاطب ربه في نشيد رائع صنعه الإحساس بالإيمان والتوحيد رغم بعد الزمن، عندما رأى الأحداث والصدف تتم بشكل يؤدي إلى حدوث عملية مد وجزر وانقلاب مفاجئ للريح أو وجود رمال متحركة .
وكان الخروج من مصر ليس سوى الخطوة الأولى لارتقاء طويل في مسيرة الكون المشبع بالروح والإيمان المنظم والقائم على أساس العدل، وأعان البائسين من أجل السمو والحرية . والنبي داود ذو القلب الكبير كان شجاعاً ومفكراً دينياً وعميقاً إلى ما نهاية، ويتمتع بحكمة نادرة، ناضل سعياً وراء غاية بأن تكون الناس متحررة من الأفكار السابقة، ودعاها إلى العلو بنفسها شيئاً فشيئاً حتى تخلق طابعاً جديداً من المساواة والحرية والكرامة، واعتبر أن معرفة الله تشكل قيمة تسمو على كل ماهو موجود في الدنيا، وبذلك ارتقى بالإنسان إلى مرتبة روحانية صرفة، ورسخ الاستقامة والقدسية لإيمانه بالوحدانية المطلقة والكمال اللامتناهي للخالق الأوحد وسيد الكون، هو الله الذي يعلو فوق كل شيء، فاطر الكون وقمة الكمال والعدل .
المتفق عليه أن للعصور أرواحاً وعقولاً تهيمن على كل ما يصدر عنها من اتجاهات وميول وتيارات دينية في ظواهر التاريخ الاجتماعية والسياسية والظواهر الفكرية المماثلة، فالتاريخ السياسي وتاريخ القيم والحق والحرية والدين هذا كله يشكل وحده تامة، فقد تناول المفكر فرانسيس فوكوياما في كتابه الجديد أصول النظام السياسي المقرر أن يطرح في الأسواق في 12 إبريل/ نيسان 2011 تطور النظم السياسية والاجتماعية منذ آلاف السنين، والتي تنزع إلى تفسير التحولات والقضايا المعقدة مثل الدين والنزاع للقتال والسلوكيات الاجتماعية . ويعتبر أول شكل حقيقي بدأ في الصين في عام 223 قبل الميلاد وبزوغ الأديان القديمة التي تهدف إلى توحيد القبيلة عبر عبادة أحد الأسلاف، ولأن القبائل مهددة بالتمزق في حال موت قائدها، بالإضافة إلى عدم استقرارها الكافي، فقد تم التحول إلى نظام الدولة التي توفر لهم كل ذلك مقابل أن تنتزع منهم حريتهم التي كانوا يتمتعون بها في النظام القبلي الذي مر بكل المجتمعات وتحول إلى نظام إقطاعي في أوروبا .
الفلاحون يتحلقون حول الإقطاعي حتى يوفر لهم الحماية ولكن هذا الإقطاعي القوي تحول إلى أنظمة دكتاتورية والاستبداد الذي هو أسوا أنواع السياسة، وأكثرها فتكاً بالإنسان في المجتمع نتيجة اختفاء العالم الموضوعي في مواطن التطور الفارغ في التجريدات الميتافيزيقية والأفكار الاجتماعية الطوباوية، وهو الوجود القبلي لمبدأ الطابع الراديكالي وأهمها قوة الكنيسة والتي لم تستطع إيجاد إجابة عن مشكلة الشر، ما يجعل الشر أمام الإنسان في كل مكان، هذا الشعور العميق بالعجز وبالدونية، رافقتهما ذكرى وحنين للأمجاد الغابرة وللازدهار القديم . وتعد الخلافات كثيرة مع ما يرافقها من حسد وغيرة وخوف وجشع وانانية وقسوة وكل عيوب البشر، وممارسة الابتزاز والظلم والتجاوزات وما لا يحصى من الجرائم . فالشر موجود وهو يتغلب بالنهاية ويتغلب بقوة، وهذا أمر رهيب بالنسبة للفكر الديني المتطرف والشعور الديني لدى البشر .
المفكر فوكوياما في كتابه الأشهر يبلور نظرية التحليل النفسي لأول مرة في تاريخ الفكر الديني، ويعالج مسألة تطور المنظومة الفكرية، والتوقف عند بعض المحطات التي اعتبرت حاسمة في تاريخ الفكر، وهي إسقاطات على الواقع العربي بسبب عفوية هذا المد الهائل من شباب الحرية والأحرار المنظم من أجل الحرية بكل معاني العزم والهدف والأمل، وهم ينسجون بمكوك الوعي العلاقة بين الانتظام التاريخي وصيرورة الحقيقة من أجل نهاية حقبة مسرح اللامعقول وبداية حقبة أخرى تبحر على سفينة الحرية فوق أمواج المحطات الكبرى للأمة العربية نحو الحرية والديمقراطية في مسيرة الطبيعة البشرية والحياة الرفيعة .
كاتب من الإمارات