ميّز الله الإنسان عن غيره من المخلوقات بالعقل والقدرة على التفكير للتمييز بين الخبيث والطيب، والخير والشر، والحرب والسلام . ولقد خلق الإنسان لوظيفة واحده فقط وهي إعمار الأرض، أي البناء والتنمية، وإعمال هذا العقل اللاحدود لتفكيره وقدراته في التصدي لكل المشكلات التي تعترض عملية الإعمار هذه، ومع ذلك نجد هذا الإنسان قد سخر جانباً مهماً من قدرات عقله للشر والظلم، واقتناء وسائل التدمير والقتل، والسعي نحو السيطرة واستعباد غيره من البشر الأضعف والأقل حيلة، أو الأكثر حباً للخير والنأي عن القوة . ويقف وراء هذا التفسير العديد من الحروب وأشكال الصراع والقتل والجرائم التي ارتكبت وترتكب باسم البشرية، وقصة قابيل وهابيل ليس الهدف منها مجرد حادثة قتل أخ لأخيه، وإنما رسالة للجانب الشرير والظالم من العقل البشري الذي نلمس آثاره وأفعاله الشريرة في العديد من صور حياتنا اليومية، حتى المسلسلات التى تزخر بها قنواتنا الفضائية لا عمل لها إلا إبراز هذا الجانب الشرير من عقل الإنسان، وهذا الإنسان ليس قوياً بقدراته الجسدية، فهو أضعف مما نتصور، ولا مجال للمقارنة مثلاً بين ضخامة الفيل وهذا الإنسان، فبدهسة واحدة من الفيل كفيلة بتحطيم وتحويل هذا الإنسان إلى قطعة واحدة غير معلومة الملامح، ولكن برصاصة صغيرة بيد هذا الإنسان كفيلة بقتل ذلك الحيوان الضخم، ولذا يقال دائماً الإنسان قوي بظلمه، وجبروته، وقوي عندما يحمل السلاح، والعلاقة واضحة بين العقل وبين ما يملك الإنسان من أدوات القتل والتعذيب والترهيب والتخويف .

فإذا غيب العقل ابتعدت الأخلاق ومعايير الإنسانية والأخوة، وسادت معايير القوة والظلم . ومن يمارس الظلم لا يراه، ولنا صور عديدة من اللاأخلاقيات في حياة البشر التي لا تقتصر على القتل والحروب، بل قد تمتد إلى حياتنا وعلاقاتنا اليومية، في علاقة الأخ بأخيه، وعلاقة الأخ بأخته وحرمانها من أي ميراث شرعي، وفي علاقة الجار بجاره، وعلاقة البائع أو التاجر الشره الطماع بالمشتري الفقير .

وقد تمتد هذه الصور من اللاعقلانية والشر والظلم وتصل في أسوأ درجاتها إلى الحاكم الظالم، وهذا قد يكون أقصى درجات البلاء الذي تبتلى به أمة وشعب، لأن ظلم الحاكم لا يعلوه ظلم، وهو الذي يقف وراء انهيار أمم كثيرة، وتراجع حضارات، وإهدار لكرامة الإنسان، وعندما تهدر كرامة الإنسان، وتداس آدميته، لا تبقى إلا الصورة الشريرة من العقل الذي منحه الله إياه ليعمر ويبني، وهو ما يتعارض مع الهدف الإلهي من خلق هذا الإنسان الذي خلق على الفطرة السليمة، والسواسية، والمحبة البيضاء، فالله خلق الإنسان وميزه بالعقل السليم، وتركه يتصرف بهذا العقل، وكيف يسخره في الخير أو الشر . ووراء هذه الصورة الشريرة تسخّر موازنات الدول الكبرى لزيادة قوتها العسكرية، وتسخر الأموال وقدرات هذا العقل الإبداعية في إنتاج أسلحة فتاكة مدمرة وقاتلة للبشرية جمعاء، ولو خصص جزء صغير من هذه الموازنات لحل مشكلات الفقر والبيئة، والأمراض والتصحر، وغيرها من الأمراض البشرية، لكنا أسعد حالاً على هذا الكوكب الأرضي الصغير .

لقد أرسل الله الرسل والأنبياء ومعهم رسالات ربهم من أجل هداية الناس، وتبيان طرق الخير والحب والوحدانية، وكل هؤلاء الرسل وما بعثوا به يلتقون على هدف واحد هو وحدانية الخالق ووحدانية البشرية، وما نراه عكس ذلك، إذ نشهد حرباً دينية شرسة، ولعل الحروب الدينية من أصعب الحروب لأنها حروب عمياء، وقد أخذت في طريقها موت الآلاف من الأبرياء، وما الحروب الصليبية إلا مثال واحد، والحروب المستمرة التي حولت أرض السلام في فلسطين إلى أرض حرب، ولعل من أكثر الشعوب التي تعاني هذا الظلم هو الشعب الفلسطيني، بسبب الاحتلال والحصار والعنف والتشدد والقوة التي تمتهن من خلالها كرامته .

وقصة هذا الظلم البشري وتغوّله هي قصة تاريخ طويل ما بين الدول والشعوب، وما بين الشعب نفسه في كل علاقاته الحياتية . وهي قصة ستستمر إلى أن تقوم الساعة، لكن المهم من ينتصر على من . وإذا ما ذهبنا إلى عالم الحيوانات بكل مخلوقاته العجيبة والمتنوعة والدالة على قدرة الخالق، نجد العديد من الصور الأخلاقية التي نقف وراءها مشدوهين عاجزين رغم أنها لا تمتلك عقولاً مثلنا كبشر .

* أكاديمي عربي

[email protected]