للشاعر الإغريقي المعاصر ريتسوس قصيدة عن امرأة كانت منهمكة في غزل الصوف، كانت تحيك أشكالاً وألواناً تصنع منها شالات وهدايا، وفي غمرة الانهماك سمعت طرقاً خفيفاً على الباب، حداها لأن تقوم متكاسلة بفتح هذا الباب، لكن لم يكن ثمة أحد خلفه .

وفي البال أغنية فيروزية قديمة هاربة من ليلٍ بعيد، عن بيت في الأقاصي، خلف غابات ساحرة، وعن مطرٍ أرهقه الهطول الكثير الغزير الطويل فقرر أن يستريح، وعن موقدٍ غفت فيه النار التي أشاعت الدفء بين الحنايا ثم نامت، وعن عاشقة مولهة تترقب الأخبار والأقمار التي وعدتها بالهبوط .

غير أن الريح قررت المشاغبة، فدقت على باب العاشقة في البيت النائي، وهي لفرط الشوق هرعت إلى الباب، على خلاف الامرأة في قصيدة ريتسوس، هاجسةً بأن الحبيب قد أتى بعد أن برحه الشوق .

ولكن، ويا للخيبة، لم يكن ثمة عاشق على الباب . كانت مزحة من الريح التي قررت المشاكسة . بعد ذاك كلما جاء الحبيب يطرق الباب ظنت العاشقة أن الريح تعاود المشاكسة، فتبقى ساهمة أمام منظر النار الذاهبة إلى النوم في الموقد .

ما سر تلك الطرقة الخفيفة على الباب تتراءى لمسامعنا، فنقوم إلى الباب كي لا نجد أحداً خلفه، حين يوغل الليل بعيداً وتلوح ملامح الوجوه الجميلة التي نهوى . أهي طرقة، ما نسمع، أم أنه وهم ؟ لماذا يختار الشعر أن يعبث بالفكرة هكذا فيحولها مجازاً عن طرقة متخيلة لم تكن أصلاً؟! أية مخيلة هذه التي ذهبت بالأخوين رحباني حد الفجاءة العذبة، وبشاعر الإغريق الشهير حد التشكيل حين رسم لوحة من كلمات لامرأة تحيك من الصوف شالات من الشعر، فتوقفها عن انهماكها طرقة، هي الأخرى متخيلة، على باب البيت؟

ما الطرقة الخفيفة التي تطرق الوجدان من دون استئذان، في الليالي وفي النهارات، في سويعات المساء وأولى ابتهالات الصباح، وكيف تصطفي لنفسها ميعاداً من دون استئذان، تأتينا على شكل أغنية، على صورة شوق للوجه الذي نهوى، جرس بلحنٍ شجي يدق فيلهب الروح، قصيدة خرافية شاردة من جزيرة للسحر والفضول والغرابة .

الطرقة الخفيفة هي طيف منسل، خيط من فجاءة وصوت من فرح . طيف من نور وبياض، يطوف المكان بيدين طليقتين حانيتين، وبجموح الجمال وفراسة الفطنة يوقظ الصباحات من غفوتها، أو يهدهد الليالي كي تنام .

[email protected]