محمد العريان *

كانت نظريات علم الاقتصاد ممثلة في خبرائه، قاصرة خلال السنوات الماضية، بدليل فشلها في التنبؤ بالتحولات الجذرية التي كانت السبب الرئيسي وراء الخراب الذي حل بالمجتمعات. وهذا القصور يسلط الضوء على قضية محورية هي: فشل عدد من القطاعات والأنشطة في الاستفادة من الابتكارات بشكل كاف.
ويفترض في خبراء الاقتصاد أن يتنبؤوا بالفرص والتحديات التي تواجه الصالح العام من خلال تحليل بيانات الأسر والشركات والحكومات.فتلك البيانات تكشف عن مستويات التخارج الحتمي من بعض أصناف الأصول وتعقيدات تفاعل مكونات الاقتصاد ضمن كل بلد وعبر الحدود. إلا أن ما تحقق على أرض الواقع لم يتوافق مع التوقعات والوعود البراقة التي أطلقها المحللون.
لقد مثل الواقع في كثير من الأحيان «اختبار الخيبة» ما دفع الكثير من فعاليات الأسواق لتوجيه الانتقادات لما أطلقوا عليه اسم «كبار الواعظين» الذين كانوا منفصلين عن واقع تفاصيل الحياة اليومية والفرص والمشاكل التي يعيشها الناس.
من جهة أخرى تلقى جمهور المحللين ضربات متتالية خلال السنوات العشر الماضية، حيث فشلوا في التنبؤ بأزمة عام 2008 التي وضعت الاقتصاد العالمي على مسار ركود مستمر، كما أنهم فشلوا في التنبؤ بتبعاته.
لقد تركزت توقعات غالبية مراكز البحث والمحليين والخبراء فيها على اعتبار الأزمة صدمة عابرة سرعان ما يرتد الاقتصاد العالمي بعدها ويحقق النمو. وهذا يؤكد وقوعهم ضحية ذهنية التفاؤل المفرط. فقد أقروا أن النمو تعرض لضربة سببتها حركة الرساميل غير المنضبطة، مؤكدين في توقعاتهم أن النشاط الاقتصادي سوف ينتعش بقوة وبصورة شاملة.
والذي حصل هو أن اقتصادات الدول المتقدمة مرت ولا تزال تمر بمرحلة نمو هش رغم كل برامج التحفيز التي أملتها معدلات النمو المتدنية وغير الشاملة لفترة طويلة.
وتجاوز الخراب حدود ضعف الناتج وتردي أوضاع المستهلكين، وانعدام الأمن الاقتصادي وتفاقم مشكلات التفاوت الطبقي. كما أن هذه المشكلات غذت سياسات الغضب وزعزعة الثقة بالمؤسسة وبمراكز الأبحاث والدراسات ممثلة في رأي الخبراء.
وانعكس ذلك في فقدان مصداقية علم الاقتصاد حتى بات طلاب الكليات يشتكون من الهوة الفاصلة بين ما يدرسونه، وما يتابعونه على أرض الواقع. ولا بد أن يترك ذلك تأثيره السلبي على تمويل مراكز الأبحاث.
ولم ينتج ذلك الفشل المريع عن جهل بآفاق الفوضى ولا تبعات نقص الأفكار الجديدة والابتكارات.بل إنه نتج عن عدد من العوامل التي تسببت في ضعف قوى الاستكشاف والرؤى المستقبلية الثاقبة لخبراء الاقتصاد أهمها:
أولاً: انتشار فرضيات مفرطة في التبسيط بما فيها تلك التي تحيد عددا من عناصر السلوك والتفاعلات في عالم الواقع في إطار السعي لجعل النماذج «علمية» وهو ما زاد من الاعتماد على آليات وأساليب التقييم التجريدي.
ثانياً: التقليل من شأن الروابط المالية ومحدودية المخصصات الاحتياطية لمواجهة طوارئ فوضى تسعير الأصول وتأثيرها في الاقتصاد.
ثالثاً: التبني الاعتباطي لمخرجات ورؤى علم النشاط السلوكي بالتزامن مع التلكؤ المفرط في تطوير سياسات البدائل التنظيمية.
رابعاً: التقليل من أهمية عدم الاستقرار إلى حد إهمال متابعة تأثيره في التفاعل الاقتصادي.
خامساً: التركيز المفرط على توازن الظروف وردات الفعل الطارئة وهو التوجه الذي عطل استيعاب أهمية التحولات والتغيرات الهيكلية واللحظات الحاسمة.
وتفاقمت تلك الهنات بفعل التطورات التقنية التي لم يقتصر تأثيرها فيما نقوم به، بل تعداه إلى الطريقة التي ننفذه بها، بما في ذلك تسريع التطور في ميدان الذكاء الاصطناعي وجبال البيانات وتعليم الآلة وأجهزة الحركة.
والمفارقة الكبرى تكمن في أن علم الاقتصاد لا يعاني نقصاً في التطور الذي يجعله قادرا على معالجة هذه العيوب. فقد تحقق الكثير من التقدم على صعيد علم الاقتصاد السلوكي والتمويل، فضلا عن التطور الذي حصل في مجال فنيات الأسواق وتعطلها المفاجئ والمنعطفات التي تمر بها ونظريات التلاعب بها وتأثير السياسة فيها.
من جهة أخرى لم تتمكن الكثير من الابتكارات النظرية في كليات الاقتصاد من دخول حيز التطبيق الفعلي في عالم مضطرب، وبقيت في غالب الأحيان حبرا على ورق، إن لم تكن مضللة.
وهذا يفرض وضع إطار جديد، يكفل استيعاب الابتكارات في تكوين ذهنية منفتحة تتعامل ببساطة ومرونة مع الابتكارات المستجدة في كل مجال من المجالات، أي اختبار «مواعظ» الواعظين على أرض الواقع في أسواق المال العالمية والاقتصاد عموماً.
ويمكن إرجاع كل تلك العيوب إلى قاعدة أساسية في علم الاقتصاد، هي التمييز بين الاختراع والابتكار. فالأول هو اكتشاف فكرة جديدة أو منتج جديد، أما الثاني فيعني تطبيق الفكرة من خلال التغييرات التي تتطلبها نماذج التشغيل وذهنية العاملين.

* كبير الاستشاريين في «أليانز»