عوائق التطور السياسي في الوطن العربي
24 مارس 2008 04:09 صباحًا
|
آخر تحديث:
24 مارس 04:09 2008
شارك
معضلات أربع تواجه تكوين الدولة وتطورها في البلاد العربية المعاصرة، بعضها داخلي (اجتماعي أو سياسي) وبعضها الثاني خارجي. والمعضلات هذه تفرض نفسها على ذينك التكوين والتطور بوصفها علاقات أو ظواهر كابحة: إما تمنع ذلك التكوين من أن يستقيم على القواعد الصحيحة الحاكمة للعلاقة بين الدولة والمجتمع في العصر الحديث، أو تحول دون أن يأخذ تطورها مداه الطبيعي نحو الصيرورة كياناً قوياً يؤدي وظائفه الداخلية والخارجية على مثال أي دولة حديثة في العالم.أول تلك المعضلات عسر قيام مجال سياسي حديث يقع بقيامه الاستقلال الضروري لحيز الدولة عن المجال الاجتماعي. فالدولة أية دولة نِصابٌ متعال ومنفصل عن تناقضات البنية الاجتماعية. وهذا شرط لأن تكون دولة ذات شخصية تمثيلية وسيادية، وقادرة على أداء وظائف التوحيد والتحديث والتنمية السياسية للمجتمع. لا تكون الدولة دولة أمة (أو دولة شعب) إلا متى تعالى تكوينها عن التكوين الاجتماعي لتلك الأمة: أكانت الانقسامات فيها أفقية (كما في المجتمعات الحديثة) أم عمودية (كما في المجتمعات التي تعاني من تأخر تاريخي مثل مجتمعاتنا). حين لا تكون الدولة سوى ذلك الامتداد التلقائي للاجتماعي أو للمجتمعي في الحيز السياسي، تسقط صفتها كدولة جامعة أو كدولة للعموم وتتحول إلى مجرد سلطة سياسية تمثل فريقاً من دون آخر: طبقة أو طبقات (في المجتمع الحديث)، أو قبيلة أو عشيرة أو طائفة أو مذهب (في المجتمع التقليدي المتأخر). وهذا بالضبط ما يعانيه تكوين الدولة في البلاد العربية اليوم، حيث تماهيها مع المجتمع الأهلي من حقائق وجودها، وحيث إعادة إنتاجها النظام العصبوي من آكد وظائفها السياسية. حين توصف هذه الدولة (العربية) بأنها تقليدية، فلأن تكوينها ينهل من علاقات مجتمع يحكمه التقليد في بناه وروابطه، ويعيد إنتاج تلك العلاقات. ليست الدولة الطائفية أو الدولة العشائرية مثلاً سوى الدولة التي تقوم على قاعدة العصبية الأهلية. لكن مشكلتها، في حالتنا العربية، أنها لا تتلون بلون ذلك القاع العصبوي الذي يؤسسها فحسب، وإنما هي تنهض أيضاً بوظيفة تصنيعه من جديد! والنتيجة أن المعضلة تزيد استفحالاً.وثاني تلك المعضلات التي تعانيها الدولة في مجتمعاتنا العربية هي فقدانها الشرعية الديمقراطية والشعبية ولجوؤها إلى القوة والعنف والاستبداد لتثبيت سلطانها في المجتمع، وكبديل من الشرعية التي تفتقر إليها. والمعضلة هنا مركبة، بل شديدة التعقيد وذات علاقة عضوية بالمعضلة الأولى التي أسلفنا الإشارة إليها. فبسبب هشاشة كيان الدولة وهي هشاشة ناجمة عن التداخل التكويني بينها وبين المجتمع العصبوي وبسبب انعدام حال من الاستقلال لديها عن ذلك التكوين الاجتماعي، تختزل الدولة من كيان عام مجرد يفترض أنه يمثل عموم الشعب والأمة إلى مجرد أداة في يد فريق اجتماعي محدود ونخبة سياسية ضيقة تعبر عنه. إن ضيق نطاق تمثيلها الاجتماعي والسياسي، واستيلاء قسم من المجتمع والنخب صغير عليها، يضعها أمام حال من الاعتراض الاجتماعي والسياسي عليها ويتحول إلى سبب دائم لأزمتها. وغالباً ما تواجه هذه الأوضاع بسياسات دفاعية سلبية: قمعية واستبدادية لكفّ ذلك الاعتراض العمومي. إن المضمون التسلطي للدولة في الوطن العربي غير قابل للإدراك إلا في علاقته بمجمل العوامل المتصلة بنمط تكوين هذه الدولة وضيق تمثيلها الاجتماعي والسياسي وأزمة الشرعية التي تستبد بها، و بالتالي لا يستقيم فهمه بحسبانه مجرد تعبير عن خيارات نخب سياسية يمكن تجاوزه بتغيير تلك الخيارات أو بتغيير نخبة بأخرى.وثالث تلك المعضلات إرادة الحد من وظائف الدولة وأدوارها السياسية والاجتماعية والاقتصادية إما بدعوى الإصلاح الاقتصادي وما يقتضيه في منظور ليبرالي وحشي من تعطيل لوظائف الدولة الاجتماعية ومن نيل من سلطانها الاقتصادي على قطاعات الإنتاج الأساسية، أو باسم مطالب المجتمع المدني بالحد من سلطان الدولة وتحجيم نفوذها في المجتمع. وأياً كان موقف المرء من السياسات التسلطية ومصادرة السياسة والحق فيها والمفترض أنه موقف نقدي... ومشروع فإن الدفع ببعض المطالب الاجتماعية والسياسية (وقسم منها مشروع) إلى الحد الأقصى، ومن دون حساب نتائجها ومضاعفاتها بعيدة المدى، قد يأخذ المجتمع إلى إضعاف الدولة لا إلى إضعاف السلطة. وفي الظن أن ما من مجتمع يجد مصلحة له في إضعاف الدولة لأنه، بالتبعة، يضعف بضعفها، فكيف إذا كانت هذه الدولة مثلما هي البلاد العربية ضعيفة أصلاً وهشة ومعرضة للانفراط مع كل حالة من حالات الانقسام الاجتماعي وعدم الاستقرار السياسي. إن ما هو أسوأ من تعرض الدولة لخطر العدوان الخارجي هو تعرضها للتفكك من الداخل عبر ألوان من الضغط على أدوارها الاجتماعية غير مشروعة تنتهي إلى إضعافها و بالتالي إلى إضعاف المجتمع نفسه. وغني عن البيان أن هذا الإضعاف هو البيئة المثالية للفتن والحروب العصبوية الداخلية.أما رابع تلك المعضلات، فهي نتائج العولمة على كيان الدولة في البلاد العربية: على تماسكها الذاتي وعلى سيادتها. إن الحقائق الجديدة المحمولة على صهوة العولمة تكشف، يوماً عن يوم، عن أن صورة الدولة الوطنية الموروثة عن عهدها القومي خلال القرنين التاسع عشر والعشرين بدأت في التبدد التدريجي بأثر تلك العولمة وطاقتها التدميرية للحدود والدفاعات الذاتية. لم تعد صورتها اليوم صورة الدولة التي تقرر مصيرها بذاتها وتحكم نفسها بنفسها (=الدولة السيدة). لقد فقدت أو هي بدأت في فقدان سيادتها على ثرواتها واقتصادها وصناعتها وزراعتها وتجارتها وقوت مواطنيها، وسيادتها على حدودها التي كانت محمية (=بسياسات حمائية)، وبات عليها أن تفتح مجالها لأحكام العولمة (شاءت أم أب). ثم لم يلبث فقدانها للسيادة الاقتصادية أن أسس لفقدان القرار الوطني، ولانهيار النظام الثقافي والتربوي القومي، ولتمزق حاد في منظومات القيم والمعايير والأذواق.. الخ. هذه حال الدولة الوطنية في العالم اليوم، وحتى في الغرب نفسه. أما في البلاد العربية، فالخطب أعظم، إذ هي تتعرض للانحلال والاضمحلال تحت وطأة ضربات العولمة لأكثر من سبب: لأنهاهشة أصلاً ولم تشتد عوداً وتترسخ من جهة، ولأنها لا تشارك شأن الدول الكبرى في صناعة العولمة وإنما تتلقى وتستهلك ولا تفعل، في أفضل حالات الدفاع عن نفسها، سوى الولولة والعويل من جهة أخرى.هذه المعضلات الأربع هي مصادر التهديد الذي يتعرض له كيان الدولة في الوطن العربي المعاصر. لكنها في الوقت نفسه، ولهذا السبب بالذات، الأسباب التي تدعونا إلى التفكير في مصير المجتمع والدولة على السواء بمسؤولية تاريخية وبحكمة وتبصر بعيداً عن الخفة في التفكير والنزق في المواقف. من يتحرق لمشاهدة الدولة تنهار، وفي ظنه أن ذلك ثمن يستحق الدفع من أجل التغيير، ينس أنه بذلك يحرق البخور وينذر النذور من أجل زوال المجتمع نفسه!