مشكلة نظام الدولة العربية القطرية أنها تفتقد إلى القوانين المدنية، وبالتالي لا تصنف بأنها دول مدنية، وفيها قد يشعر المواطن ذاته بقدر كبير من التمايز في ممارسة العديد من المهن والحقوق، فتأتي القوانين لتؤكد مفهوماً عنصرياً وتمييزياً بين مواطن وآخر . وهذا التمايز هو الذي يخلق أو يضعف حالة الانتماء والولاء وروح المواطنة التي يشعر بها، وهنا تتراجع الدولة كإطار وطني مدني محدد للمواطنة، فالمواطن يذهب إما إلى المسجد، أو الكنيسة، أو الحزب، أو القبيلة أو العشيرة أو العائلة التي ينتمي إليها هذا الإنسان وليس المواطن . هنا تكمن المعضلة الرئيسة التي تقف وراء تفشي ظاهرة العنف، والفتنة الطائفية، وعلى الرغم من تأصيل ظاهرة الدولة القطرية، إلا أنها فشلت في تأصيل ظاهرة الدولة المدنية، ودولة المواطنة الواحدة التي تقوم على فكرة جوهرية وهي فكرة المساواة الدستورية في الحقوق والواجبات بعيداً عن القوانين التمييزية والعنصرية التي تقوم على التمايز الديني والطائفي والمذهبي، ما حول الدولة القطرية إلى كيان هش، ووصل بالدولة القطرية إلى ما يوصف بالدولة الضعيفة، أو الهشة، أو المأزومة، والأمثلة كثيرة على هذه الدول (لبنان، والعراق، والصومال) حتى الدول الكبرى والمحورية منها بدأت تتسلل إليها هذه الأعراض الطائفية كما حدث في أعقاب تفجيرات الإسكندرية . المعضلة إذن في الدولة القطرية التي نشأت في ظروف استثنائية، فعدد منها كان من صنع الاستعمار، وعدد منها كان موجوداً وضارباً في تاريخ المنطقة القديم، ولذلك هي دول مهجنة، نشأت منذ البداية ضعيفة غير قادرة على التكيف مع التحولات الداخلية والخارجية . ومما فاقم من المشكلة في صورتها الراهنة التي تتمثل في انتشار ظاهرة العنف الطائفي، وتراجع دور الدولة أمام تنامي الحركات السياسية المعارضة والتي نجحت إلى حد كبير في نزع شرعية الدولة القطرية وعدم قدرة هذه الدول على اكتمال مؤسساتها الدستورية والقانونية، وتضخم أجهزتها الإدارية والأمنية، ما حولها بدلاً من كيان دولة إلى كيان سلطة قمع أقرب منها إلى دولة مؤسسات، ودولة حقوق، ما أفقدها القدرة على التكيف والتعاطي مع المجتمع بكل مؤسساته المدنية، وهو الأمر الذي قد حول الدولة بالمفهوم الهوبزي إلى غول متوحش يفترس في طريقه كل من يظهر أي معارضة ومقاومة لها، وقد أدى ضعف الدولة وتحولها إلى مفهوم سلطة وحكم تابعة إلى الخارج، وهو الأمر الذي أضعف من هيبتها وقدسيتها، وقبولها، وأدت هذه المشكلة إلى التشكيك في شرعية الدولة في مواجهة الحركات الدينية والطائفية التي نجحت في نزع شرعية الدولة، أو على أقل تقدير التشكيك في شرعيتها، وبدلاً من البحث عن الشرعية السياسية والقانونية اتجهت الدول إلى تعضيد وجود حكمها بشرعية القوة، وتعظيم دور المؤسسة الأمنية والعسكرية، التي جاء دورها على حساب عمليات الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي المطلوبة لتعزيز دور المواطن كلبنة وأساس لتأسيس الدولة المواطنة التي تضمن ولاء جميع الأفراد للدولة بدلاً من التحول في الولاءات إلى الطائفة أو الكنيسة أو المسجد، أو الانتماء للقبيلة والعشيرة، أضف إلى ذلك مظاهر الفساد المالي والإداري التي حولت الدولة القطرية إلى دولة محتكرة من قبل فئة قليلة تحتكر كل شيء، وفئة الأغلبية الفقيرة المحرومة من كل شيء، ما خلق حالة من الكراهية لها . وهي كلها مظاهر ضعف أضعفت من قدرة الدولة على تطوير قدراتها وأدائها لمواجهة الاحتياجات والمطالب المتزايدة، وخلقت هذه الفجوة ما يمكن تسميته بثورة الفقراء، التي تعبر عن نفسها الآن في العديد من صور الاحتجاج، ومظاهر العنف التي نرى بعض صورها الآن، والتي قد تقود إلى حالة من التشرذم السياسي . وحيث إن الدولة ضعيفة وغير قادرة على تلبية احتياجات مواطنيها، فكان البديل لذلك هو توجه المواطن إما إلى الكنيسة، أو المسجد، أو الحزب أو الطائفة، وفي كثير من الحالات إلى الزعيم الذي يقود هذه الكيانات الصغير بحثاً عن وظيفة أو حماية .
وللخروج من هذه المعضلة ينبغي أن تبدأ الدول العربية مرحلة من الإصلاح السياسي على أساس تعميق مفاهيم المواطنة الواحد، ومفهوم الدولة الواحدة لكل أبنائها . ويستلزم ذلك القيام بالعديد من الخطوات الإصلاحية، وتصحيح كثير من المسارات القديمة، وتحقيق قدر من العدالة التوزيعية، في الدخل والثروة، والعدالة في المعاملة القانونية والدستورية وصولاً إلى هوية المواطنة العلمانية الجديرة بتقليل تأثير التداعيات السلبية للولاءات الضيقة التي تقوم على الطائفية أو المذهبية الدينية .
الأساس في أي دولة هو درجة انتماء مواطنيها وشعورهم بانتمائهم لدولة واحده قادرة على أن توفر لهم الحماية، وقادرة على أن تقدم لهم أو تستجيب لاحتياجاتهم المادية المتنامية .
إذن، مبدأ المواطنة هو المدخل والمنهاج الأقصر لاستيعاب واحتواء ظاهرة العنف بكل أشكالها، وهو الكفيل بخلق الدولة المدنية الواحدة . وهكذا يصبح الكل مواطنون في دولتهم، وعندها يزول الشعور بالتمييز .
ولا يقتصر طريق دولة المواطن الواحد على الدولة نفسها، بل هو طريق الاندماج والتكامل بين كل الدول العربية القادرة على مواجهة كل التدخلات الخارجية أياً كان مصدرها، وهو الكفيل بخلق المناعة الداخلية القادرة على احتواء كل الولاءات الأخرى .
أستاذ العلوم السياسية - غزة