فلسطين من سلطة القوة إلى سلطة الصمود

03:45 صباحا
قراءة 3 دقائق

منذ بداية الألفية الجديدة، التي كان من أبرز تطوراتها احتلال العراق في صمت عربي وتواطؤ دولي واسع، والقضية الفلسطينية تتراجع من حيث مستوى الاهتمام الدولي والتضامن الرسمي العربي والتعبئة الشعبية الواسعة. وقد مثلت وعود بعض الدول الكبرى من أجل تحقيق مشروع دولتين نوعاً نادراً من التخدير السياسي والالتفاف الاستراتيجي الذي استطاع، بالاعتماد على معطيات وظروف متعددة، أن يؤثر، ولو جزئيا، بشكل سلبي في الحماس الذي كان يميز الارتباط العربي بالقضية الفلسطينية.

نعم سيظل الارتباط الوجداني الراسخ للإنسان العربي بالقضية الفلسطينية، قائماً وشامخاً يتحدى كل التناقضات التي تفرزها الأوضاع الإقليمية والدولية، لكن تأثيره في مستوى توجيه السياسات العربية قد يضيق هامشه في فترات محدودة من دون أن يكون ذلك مؤشراً وترجمة لحالة من الوعي العربي المهيمن. لأن القضايا التي تمس شرف الأمة وكيانها الحضاري ستظل توجه الوعي الجمعي للمجموعة العربية التي سيظل جرح نكبة فلسطين يسم سلوكياتها وردود أفعالها بميسمه العميق، فقد تدفع تطورات وضغوطات الأحداث الدولية المتسارعة وحتى الصعوبات الداخلية للدول القطرية، إلى تأجيل اهتمام بعض الأوساط العربية بالقضية المحورية للدول من المحيط إلى الخليج، لكنها ستبقى القضية المرآة التي تجعل كل عربي يرى نفسه في فلسطين الهوية والانتماء، كلما حدّق في المرآة ليرى تفاصيل وجزئيات مشهده الذاتي المنبسط فوق تضاريس الأحداث.

لقد برزت أوضاع جديدة منذ أن أطل علينا هذا القرن الجديد، وراهن الخصوم والأعداء على تشرذم العرب وضعف كياناتهم القطرية من أجل تمرير خططهم الهادفة إلى تحويل القضية المحورية إلى مجرد صراع حدود، يمكن معالجته على المدى البعيد باعتماد حلول تحمل سمات الترقيع لكي تشوّه الواقع وتسطو على التاريخ. لكن النتائج لم تكن في مستوى التوقعات، لأنه وبالرغم من كل التصريحات التي تعلو هنا وهناك، فإن الملفات الرئيسية للصراع العربي الإسرائيلي مازالت مفتوحة، والأعداء الذين راهنوا ويراهنون حتى الآن على عامل الزمن، لم يصلوا إلى تنفيذ مخططاتهم. كما أن الفلسطينيين وعلى الرغم من انقسامهم المفجع، فإنهم لم يكونوا أقدر على فهم رهانات الصراع وعلى استيعاب الأسس والخلفيات الاستراتيجية التي يعتمدها العدو في بلورة تصوراته وتكتيكاته، مثلما هم عليه الآن في هذه المرحلة الحساسة. وعلى الرغم من التغيرات الخطيرة التي عرفتها الساحة الدولية خلال السنوات الأخيرة، وما صاحبها من تراجع كبير للتأثير العربي في السياسة الدولية، فإن العدو الإسرائيلي لم يستفد من الوضع الجديد بالقدر الذي كان يظنه، ولم يتمكن بالتالي من حسم القضايا الأساسية لصالحه، بل وتراجع أداؤه حتى على مستوى الجزئيات التي كان يصنع من خلالها تألقه الوهمي والمتهافت. وهكذا فقد انتصرت أمريكا في الحرب الباردة ولم يحسم الصراع لصالح العدو، وتراجع الدور السياسي الأوروبي وانخرطت دوله في سياسات الحلف الأطلسي الأمريكي من دون أن تنكسر إرادة الشعب الفلسطيني، وتخلت فرنسا عن سياستها العربية المتميزة لصالح علاقة تفضيلية وحيوية مع إسرائيل، وبقيت، على الرغم من كل ذلك، الخطوط الفلسطينية الحمر قائمة، بل وتجذرت في أكثر من موقع بفضل المقاومة الباسلة.لقد راهن العدو الصهيوني على عنصر الزمن وفيه تجلى فشله وإخفاقه المريع، وقد كان يظن أن الاستراتيجيات التي تدعمها القوة يمكن أن تحسم الصراعات بطريقة جذرية، لكن مكر التاريخ والشعوب أثبت أن إرادة الأمم تتجاوز سلطة القوة لصالح سلطة الصمود والإرادة.

وعلى الرغم من أن أطراف الصراع العربي الصهيوني، قد لجأت أفرادا وجماعات، اضطراراً أو اختيارا، إلى ترك الوقت للوقت، وفق تعبير فيلسوف العلم غاستون باشلار، فإن الزمن الذي انقضى حتى وإن خذل الفلسطينيين في الكثير من تفاصيله، فإنه لم يكسرهم ولم يقوّض عزيمتهم، بحيث أن قدرة الشعب العربي عموماً والشعب الفلسطيني بشكل أخص، على المواجهة ورفع التحدي لا يمكن مقارنتها بالقدرة والإمكانات التي توافرت لديه في النصف الثاني من القرن الماضي. وعليه فإن الزمن الذي يجب أن تبنى عليه تطلعات المستقبل هو زمن الإرادة والتصدي وليس زمن الاستراتيجيات التي تجعل عقارب الساعة تدور على نفسها في دائرة مفرغة.

عن الكاتب

أستاذ الفلسفة في جامعة وهران الجزائرية، باحث ومترجم ومهتم بالشأن السياسي، له العديد من الأبحاث المنشورة في المجلات والدوريات الفكرية، ويمتلك مؤلفات شخصية فضلا عن مساهمته في تأليف العديد من الكتب الجماعية الصادرة في الجزائر ومصر ولبنان

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"