قمة باريس ومستقبل الهجرة عبر المتوسّط

03:06 صباحا
قراءة 4 دقائق
على امتداد العقود الثلاثة الأخيرة؛ كشفت الممارسات الدولية والوطنية، عقم وهشاشة المقاربات المعتمدة في سبيل الحد من ظاهرة الهجرة بكل أشكالها وصورها.
فإلى جانب العوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأمنية التي تغذّي الظاهرة، وتظل مسؤولة عن تزايد التحديات التي تطرحها بالنسبة للدول المصدرة أو المستقبلة أو بلدان العبور، لا تخفى التأثيرات السلبية التي يفرزها التعاطي السطحي لكثير من الدول مع الموضوع، حيث يتمّ تغليب المقاربات الأمنية والزجرية على حساب الجوانب الإنسانية.
تبرز المعطيات الإحصائية التي تصدرها الدول والمنظمات الوطنية والإقليمية والدولية المعنية بقضايا الهجرة تطوّر هذه الأخيرة من حيث الكم في مناطق بعينها؛ مثلما هو الأمر بالنسبة لحوض البحر الأبيض المتوسط؛ كما تحمل تقارير صادمة بشأن الكوارث والمعاناة البشرية التي تخلفها نتيجة غرق الكثير من القوارب في عرض المتوسط..
كل المعطيات المتوافرة إلى حدود الساعة، تشير إلى أن الظاهرة مرشحة إلى المزيد من التصاعد.
زاد من حدّة الإشكالات المطروحة في هذا الإطار، تباين المواقف والسياسات المطروحة بصدد التعامل مع الظاهرة وخصوصاً على المستوى الأوروبي.
بالموازاة مع ذلك؛ شهدت العديد من البلدان الأوروبية (فرنسا وإسبانيا وبلجيكا وبريطانيا..) عمليات إرهابية في المدة الأخيرة؛ تورط فيها مهاجرون من أصول عربية وإسلامية، شكلت ذريعة وظفتها التيارات اليمينية في أوروبا للمطالبة بتشديد الخناق على المهاجرين ومنع وصولهم إلى الديار الأوروبية؛ بل وصل الأمر إلى حد الدعوة إلى طردهم.. بعدما تم ربطهم بشكل عشوائي لا يخلو من تعميم ومبالغة بمظاهر التطرف والعنف الذي شهدته أوروبا، فيما لم يتردّد البعض في ربط المعضلات الاجتماعية والاقتصادية في القارة الأوروبية بالهجرة..
هيمنت قضايا الهجرة على النقاشات العمومية في أوروبا؛ مع تزايد نسب المهاجرين في السنوات الأخيرة بسب تعقد الأوضاع الاجتماعية والسياسية.. في عدد من الدول الإفريقية أو بحوض المتوسط وهشاشة الأوضاع الأمنية داخل بعض دول «الحراك العربي» كما هو الأمر بالنسبة لسوريا وليبيا وتونس.. وهو ما عكسه الاهتمام الإعلامي والأكاديمي الكبير بالموضوع، فيما استحوذت قضايا الهجرة والمهاجرين على حصّة مهمة من برنامج الأحزاب السياسية الأوروبية بكل تلاوينها في الانتخابات المختلفة التي شهدتها كل من فرنسا، وإسبانيا، وإيطاليا، وهولندا وألمانيا..
ظلّ الارتجال هو سيد الموقف في التعاطي الأوروبي مع الظاهرة، في غياب تصور واضح يقف على العوامل الحقيقية التي تفرزها؛ وفي غياب تعاون حقيقي مع الدول المصدرة في هذا الشأن..
التأمت قبل أيام في باريس قمة إفريقية - أوروبية مصغّرة لبحث سبل الحدّ من الهجرة نحو أوروبا؛ حضرها عن الجانب الأوروبي كل من الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون» والمستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل» ورئيس الحكومة الإيطالية «باولو جنتلوني» ونظيره الإسباني «ماريانو راخوي» و «فيديريكا موجريني» مسؤولة الشؤون الخارجية والأمن عن الاتحاد الأوروبي. وعن الجانب الإفريقي، حضرها كل رئيس تشاد «إدريس ديبي» ونظيره النيجيري «محمد يوسفو» إضافة إلى رئيس حكومة الوفاق الليبية «فايز السراج».
تأتي القمة التي روّج على أنها تنحو إلى تقديم الدعم والمساعدة للدول الإفريقية الثلاث، لمنع عبور المهاجرين باتجاه الضفة الشمالية من المتوسط وتقييم الجهود المتخذة في السنوات الأخيرة في هذا الصدد في سياق مجموعة من المبادرات التي راكمتها الدول الأوروبية المعنية بالموضوع والتي سعت من خلالها إلى تقديم العون لبعض الدول مقابل تشديد المراقبة على الحدود ومنع تسرب المهاجرين.. ويأتي الاتفاق الأوروبي- التركي على رأس هذه المبادرات التي أثارت جدالاً ونقاشاً واسعين في أوساط الباحثين والمنظمات الحقوقية المعنية بقضايا الهجرة إضافة إلى تجربة النيجر التي استفادت من مساعدات مهمة سمحت بالحدّ من الظاهرة..
لا شك أن الأمر يتعلق بخطوة مشجّعة طالما أنها تنحو إلى التنسيق والتعاون بين بعض الدول المعنية؛ لكن تقييم نجاعتها هو أمر سابق لأوانه، فالممارسة الميدانية تشير إلى دول الاتحاد الأوروبي التي لم تنخرط بالجدية المطلوبة في بلورة سبل وقائية تدعم وقف أو الحدّ من تطور الظاهرة، بقدر ما اعتمد على مقاربات مرحلية وأمنية تقوم على تشديد المراقبة على الحدود، وحثّ دول الضفة الجنوبية على منع عبور حدودها باتجاهها والاكتفاء بتقديم بعض المساعدات المحدودة بشكل غير منتظم بما يشكّل نقلاً للأزمة من فوق ترابها إلى خارج الحدود الأوروبية.. بدل تدبيرها بشكل عقلاني وشمولي..
عبّرت بعض الأطراف الأوروبية عن تفاؤلها، بشأن نتائج اللّقاء الذي اعتبرت مخرجاته بوابة لتنظيم الهجرة وتيسيرها بالنسبة لمستحقي الحماية واللجوء قبل عبور المتوسط عبر إقامة مراكز معنية بهذا الأمر داخل عدد من الدول الإفريقية، ولتضييق الخناق على شبكات تهريب البشر..

وفي مقابل ذلك؛ ما زالت العديد من الدول الإفريقية تنظر بعين الرّيبة والشك للمبادرات الأوروبية المتخذة على هذا الطريق، وتدعو إلى بلورة جهود مستدامة تقوم على تشجيع الأشخاص على الاستقرار في بلدانهم عبر دعم مشاريع التنمية في إطار تعاون شمال - جنوب..
وبعيداً عن التفاؤل الذي عبرت عنه بعض الدول المشاركة في هذا اللقاء؛ أو التحفظات التي تثيرها العديد من الدول الإفريقية، فالأيام القادمة هي التي ستبرز ما إذا كان الأمر يتعلق بنهج مقاربة جديدة، في التعامل مع قضايا الهجرة واللجوء يوازن ما بين متطلبات الأمن واستحضار الجوانب الإنسانية والاجتماعية للظاهرتين.
د. إدريس لكريني
[email protected]

عن الكاتب

​باحث أكاديمي من المغرب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"