عجبت كثيراً لوفد الكونجرس الذي تجشم عناء السفر إلى بغداد، ليطالب العراقيين بتعويضات للأمريكان الذين هلكوا في العراق . لا أحد يسأل: لماذا كانوا هناك؟
العراق ليس جيبوتي أو فيجي، العراق هو العراق، هو معلّم الحضارات . هو الآرامية التي امتدت من حدود الصين إلى أوروبا . وعندما استقام الأمر للإسلام، ساد العراق العالم قيادة وريادة في السياسة والعلوم والمعارف قرونا .
في القرن الثالث عشر الميلادي، غزا المغول بغداد (1258) وكانوا قادمين من آلاف الكيلومترات . طريق الحرير كان طريق حديد السيوف . ما أشبه الليلة بالبارحة . ففي سنة 2003 أعاد بوش الثاني السيناريو نفسه، ولكن من مسافة أبعد . هولاكو لم يكن له طموح نفطي . ونصير الدين الطوسي لم تكن لديه علاقة بأحلام سايكس بيكو الجديدة .
أعضاء الكونجرس الذين يطالبون بتعويضات لأربعة آلاف من الأمريكان، هم مغيّبون عن عالم الواقع . لأنهم لا يدركون أن مليوناً ونصف المليون من العراقيين قد التحقوا بالرفيق الأعلى في غزو لم يرتكبوا فيه أي ذنب، لقد كانوا ضحايا مجاناً .
السؤال: لماذا تقبل الأمة هذه المهانة؟ لماذا تمرّ هذه المآسي والمهازل وكأنها حقائق؟ هل تستطيع الولايات المتحدة أن تنهج هذا النهج مع أي بلد أوروبي؟ مع سويسرا مثلاً، لكونها تمتلك كنوزاً من الأموال لم يمتلكها قارون ولا سليمان ولا البنك الدولي؟
اللعنة على الديمقراطية، التي جعلت بلدان العالم الثالث ساحات مفتوحة على المجهول، يكفي أن يكون لديك نظام دكتاتوري لكي تصبح أرضك مستباحة للقاصي والداني .
اللعنة هذه لعبة، فالغريب هو أن أنظمة طبائع الاستبداد تلعب بمصائر شعوبها وسيادة أراضيها، لتوهمها أن تبعيّتها هي مصدر أمنها . وهذه حماقة استراتيجية . هي لا تفهم أنها مجرد دمية . وهذه هي أم المهازل .
لا بد للأمة أن تفكر بطريقة مختلفة . أن تغادر أوهامها، وأن تصحو على طاقاتها الحقيقية، التي هي الشعوب . الشعوب التي يستطيع فيها شاب مثل البوعزيزي أن يغير وجه التاريخ .
السؤال الآن: لماذا لا يعيد العرب النظر في كل القضايا؟
لماذا لا يصيرون هم من يطالب بالتعويضات في كل صغيرة وكبيرة؟ في التعويضات عن جرائم الاستعمار القديم والجديد؟
لا توجد جرائم ضد الإنسانية تسقط بالتقادم . فلم يكون العرب هم الاستثناء؟