تعيش ليبيا حالة فوضى غير مسبوقة، وبشكل يهدد بقاء هذه الدولة واستمرارها كدولة عريقة في القارة الإفريقية، ذلك أن ما حدث فيها لم يكن ثورة بمعنى الثورة، بل هو خليط من حالة ثورية ضيقة في الشرق، وتدخل دولي عسكري كان يشغله في المقام الأول استمرار تدفق النفط الليبي، أكثر مما يشغله ما يعانيه الشعب الليبي من قهر واستعباد لأكثر من ثلاثة عقود . هذا التدخل الدولي أفضى إلى انهيار مؤسسات الدولة، ومقتل عشرات الآلاف من الليبيين بالضربات الجوية، وموت الآلاف بين نيران المخلص -إن جازت التسمية- ونيران المستبد الذي يدافع عن وجوده . وقد أدى ذلك إلى تسلم السلطة في ليبيا من قبل شخصيات لا تمثل إلا نفسها، ولا تملك أي سلطة على الميليشيات المسلحة ولا على القبائل .
وكان وزير الدفاع الليبي عبد الله الثني قد أعلن في 12-2-2014 عن إحباط محاولة انقلاب عسكري في الأسبوع الماضي يقوده قادة عسكريون سابقون وسياسيون بهدف إسقاط المؤتمر الوطني العام وتشكيل مجلس عسكري لقيادة البلاد . وكان قد أعلن أيضاً الأسبوع الماضي أحمد الزبير رئيس مجلس إقليم برقة الشرقي عن تحويل الإقليم إلى إقليم فيدرالي يدير شؤونه بنفسه في إطار الدولة الليبية . ويعتبر هذا الإعلان مقدمة لاستقلال هذا الإقليم بشكل كامل عن ليبيا . وفي مسعى من سلطة هذا الإقليم لإجبار حكومة طرابلس على الاعتراف بها، فقد سيطرت الميليشيات التابعة لها على حقول النفط وموانئ التصدير الموجودة في الشرق . ومن ثم قامت بتأسيس شركة خاصة بإقليم برقة لتصدير النفط، ما يُشكل في بلدان أخرى، بداية انفصال تستحقّ الملاحقة . وقام بالتمهيد لهذه الخطوة أحد القادة العسكريين المنشقين في المنطقة الشرقية، هو إبراهيم الحضران، الذي كان مكلفاً بالإشراف على وحدات حِراسة المُنشآت النفطية، لكنه سيطر على الموانئ المصدرة للنفط، بالاعتماد على آلاف من مُؤيديه، ما أدّى إلى تقليص صادرات ليبيا من النفط إلى حوالي النصف طيلة الأشهر الماضية، على نحو يُهدّد بقطع شريان الحياة عن الحكومة المركزية . وهذا المنعطف الخطير، هو الذي حمل رئيس الوزراء علي زيدان على التحذير من أن "الدولة ستجد نفسها في عجز، إذا ما تعطّل تصدير النفط، لأن الموازنة توضع على أساس الدّخل السنوي للنفط، والآن 60% من منتوج النفط متوقّف" . والأرجح أن المشكلة آتية لا محالة، لأنه لا توجد قوة تستطيع اليوم لجم الميليشيات، وإجلاء عناصرها من المُنشآت النفطية والموانئ، بينما وضعت موازنة الدولة على أساس السّقف الأعلى للإنتاج النفطي في ظلّ سلاسة التصدير .
وكانت ليبيا تُصدّر مليوناً ونصف المليون برميل من النفط يومياً، وهي لا تُصدّر حالياً سوى 300 ألف برميل، ما يشكل خسارة كبرى يصعُب تعويضها في اقتصاد يعتمِد على عائدات المحروقات بنسبة 95% . وفي خط موازٍ، فقد أعلنت مجموعة من أعيان المنطقة الجنوبية يوم 27 سبتمبر 2013 منطقة فزان إقليماً فيدرالياً، كما شكّلت "المجلس الاجتماعي الأعلى لقبائل فزان" في مُلتقىً عقدوه في مدينة أوباري الجنوبية، وانتخب أعضاء "المجلس" نوري محمد القويزي رئيساً للإقليم . وبرّروا هذه الخطوة بقلّة فعالية "المؤتمر الوطني العام"، وإخفاق الحكومة في الاستِجابة لمطالب الشارع، خاصة في منطقة فزان . ومن المهم الإشارة هنا، إلى أن الغالبية الكبرى من سكّان إقليم فزان، لا تُخفي ولاءها للنظام السابق، عِلما أن المنطقة لم تُشارك في الانتِفاضة على نظام القذافي، وما زالت بعض نواحيها خارِج سيطرة النظام الجديد .
إن التقسيم أصبح حقيقة ماثلة في ليبيا، وربما ستعود هذه الدولة إلى ما كانت عليه أيام الاستعمار العثماني الذي قسمها إلى ثلاثة أقاليم هي، طرابلس، وبرقة، وفزان، ومن ثم قام الملك محمد إدريس السنوسي عام 1951 بتوحيد الأقاليم الثلاثة تحت اسم المملكة الليبية المتحدة . لكن ما حدث قد أعاد عقارب الساعة إلى الوراء، فعادت النزعات الانفصالية لتظهر من جديد . إن إعادة توحيد ليبيا قد تكون مهمة مستحيلة في ظل جو دولي يعمل على تفكيك الدول، وتحويلها إلى كيانات صغيرة تحت مسمى "الفيدرالية والليبرالية"، وقد تم تطبيق الفيدرالية في العراق بعد الاحتلال الأمريكي له عام ،2003 ومن ثم اتفق اليمنيون في شهر يناير/كانون الثاني ،2014 وتم إقرار ذلك بالفعل في العاشر من هذا الشهر، على تطبيق الفيدرالية في اليمن بحجة منح الشعب اليمني حقه في التعبير عن نفسه . لكن هذه الفيدرالية المستجلبة ستترك أبشع الآثار على المنطقة العربية، لأنها ستؤدي إلى خلق حالة عدم انسجام، وربما احتراب واقتتال دائم بين تلك الكيانات الصغيرة المنشأة تحت مسمى "الفيدرالية" . فهذه الكيانات ستجد صعوبة في تأمين موارد رزقها وحياتها ما يدفعها للاعتداء على جيرانها، وهكذا ستلتهب المنطقة في أتون الصراعات العشوائية واللانهائية .
إن المستفيد في المقام الأول من تفتت وتشرذم الأمة العربية هي دولة الكيان الصهيوني وأدواتها، لذلك فإن دول التحالف الغربي المسيطر في العالم تسعى إلى نشر الفوضى في المنطقة العربية، باسم الديمقراطية تارة، وتحت مظلة حقوق الأقليات تارة أخرى .
لقد حاولوا فعل ذلك في الصين من قبل، لكنهم فشلوا، وها هم يعضون أصابع الندامة لأنهم لم يدفعوا بكل ثقلهم لتقسيمها، عندما كانوا قادرين على ذلك في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، فقد كان في ذلك الوقت فرصة ذهبية للخلاص من هذه الدولة، لكن تفويت الفرصة أدى إلى ظهور القوة الصينية العظمى التي أصبحت تزاحم الولايات المتحدة على كرسي العالم . من هنا، فإن الغرب مصمم على تحطيم الأمة العربية بأية وسيلة ومهما كانت الأثمان، نرجو الله أن يخيب مسعاهم، ويهيئ لهذه الأمة أمر رشد تلم به شعثها، ويعيد لها كيانها وتماسكها . . . . آمين .
وكان وزير الدفاع الليبي عبد الله الثني قد أعلن في 12-2-2014 عن إحباط محاولة انقلاب عسكري في الأسبوع الماضي يقوده قادة عسكريون سابقون وسياسيون بهدف إسقاط المؤتمر الوطني العام وتشكيل مجلس عسكري لقيادة البلاد . وكان قد أعلن أيضاً الأسبوع الماضي أحمد الزبير رئيس مجلس إقليم برقة الشرقي عن تحويل الإقليم إلى إقليم فيدرالي يدير شؤونه بنفسه في إطار الدولة الليبية . ويعتبر هذا الإعلان مقدمة لاستقلال هذا الإقليم بشكل كامل عن ليبيا . وفي مسعى من سلطة هذا الإقليم لإجبار حكومة طرابلس على الاعتراف بها، فقد سيطرت الميليشيات التابعة لها على حقول النفط وموانئ التصدير الموجودة في الشرق . ومن ثم قامت بتأسيس شركة خاصة بإقليم برقة لتصدير النفط، ما يُشكل في بلدان أخرى، بداية انفصال تستحقّ الملاحقة . وقام بالتمهيد لهذه الخطوة أحد القادة العسكريين المنشقين في المنطقة الشرقية، هو إبراهيم الحضران، الذي كان مكلفاً بالإشراف على وحدات حِراسة المُنشآت النفطية، لكنه سيطر على الموانئ المصدرة للنفط، بالاعتماد على آلاف من مُؤيديه، ما أدّى إلى تقليص صادرات ليبيا من النفط إلى حوالي النصف طيلة الأشهر الماضية، على نحو يُهدّد بقطع شريان الحياة عن الحكومة المركزية . وهذا المنعطف الخطير، هو الذي حمل رئيس الوزراء علي زيدان على التحذير من أن "الدولة ستجد نفسها في عجز، إذا ما تعطّل تصدير النفط، لأن الموازنة توضع على أساس الدّخل السنوي للنفط، والآن 60% من منتوج النفط متوقّف" . والأرجح أن المشكلة آتية لا محالة، لأنه لا توجد قوة تستطيع اليوم لجم الميليشيات، وإجلاء عناصرها من المُنشآت النفطية والموانئ، بينما وضعت موازنة الدولة على أساس السّقف الأعلى للإنتاج النفطي في ظلّ سلاسة التصدير .
وكانت ليبيا تُصدّر مليوناً ونصف المليون برميل من النفط يومياً، وهي لا تُصدّر حالياً سوى 300 ألف برميل، ما يشكل خسارة كبرى يصعُب تعويضها في اقتصاد يعتمِد على عائدات المحروقات بنسبة 95% . وفي خط موازٍ، فقد أعلنت مجموعة من أعيان المنطقة الجنوبية يوم 27 سبتمبر 2013 منطقة فزان إقليماً فيدرالياً، كما شكّلت "المجلس الاجتماعي الأعلى لقبائل فزان" في مُلتقىً عقدوه في مدينة أوباري الجنوبية، وانتخب أعضاء "المجلس" نوري محمد القويزي رئيساً للإقليم . وبرّروا هذه الخطوة بقلّة فعالية "المؤتمر الوطني العام"، وإخفاق الحكومة في الاستِجابة لمطالب الشارع، خاصة في منطقة فزان . ومن المهم الإشارة هنا، إلى أن الغالبية الكبرى من سكّان إقليم فزان، لا تُخفي ولاءها للنظام السابق، عِلما أن المنطقة لم تُشارك في الانتِفاضة على نظام القذافي، وما زالت بعض نواحيها خارِج سيطرة النظام الجديد .
إن التقسيم أصبح حقيقة ماثلة في ليبيا، وربما ستعود هذه الدولة إلى ما كانت عليه أيام الاستعمار العثماني الذي قسمها إلى ثلاثة أقاليم هي، طرابلس، وبرقة، وفزان، ومن ثم قام الملك محمد إدريس السنوسي عام 1951 بتوحيد الأقاليم الثلاثة تحت اسم المملكة الليبية المتحدة . لكن ما حدث قد أعاد عقارب الساعة إلى الوراء، فعادت النزعات الانفصالية لتظهر من جديد . إن إعادة توحيد ليبيا قد تكون مهمة مستحيلة في ظل جو دولي يعمل على تفكيك الدول، وتحويلها إلى كيانات صغيرة تحت مسمى "الفيدرالية والليبرالية"، وقد تم تطبيق الفيدرالية في العراق بعد الاحتلال الأمريكي له عام ،2003 ومن ثم اتفق اليمنيون في شهر يناير/كانون الثاني ،2014 وتم إقرار ذلك بالفعل في العاشر من هذا الشهر، على تطبيق الفيدرالية في اليمن بحجة منح الشعب اليمني حقه في التعبير عن نفسه . لكن هذه الفيدرالية المستجلبة ستترك أبشع الآثار على المنطقة العربية، لأنها ستؤدي إلى خلق حالة عدم انسجام، وربما احتراب واقتتال دائم بين تلك الكيانات الصغيرة المنشأة تحت مسمى "الفيدرالية" . فهذه الكيانات ستجد صعوبة في تأمين موارد رزقها وحياتها ما يدفعها للاعتداء على جيرانها، وهكذا ستلتهب المنطقة في أتون الصراعات العشوائية واللانهائية .
إن المستفيد في المقام الأول من تفتت وتشرذم الأمة العربية هي دولة الكيان الصهيوني وأدواتها، لذلك فإن دول التحالف الغربي المسيطر في العالم تسعى إلى نشر الفوضى في المنطقة العربية، باسم الديمقراطية تارة، وتحت مظلة حقوق الأقليات تارة أخرى .
لقد حاولوا فعل ذلك في الصين من قبل، لكنهم فشلوا، وها هم يعضون أصابع الندامة لأنهم لم يدفعوا بكل ثقلهم لتقسيمها، عندما كانوا قادرين على ذلك في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، فقد كان في ذلك الوقت فرصة ذهبية للخلاص من هذه الدولة، لكن تفويت الفرصة أدى إلى ظهور القوة الصينية العظمى التي أصبحت تزاحم الولايات المتحدة على كرسي العالم . من هنا، فإن الغرب مصمم على تحطيم الأمة العربية بأية وسيلة ومهما كانت الأثمان، نرجو الله أن يخيب مسعاهم، ويهيئ لهذه الأمة أمر رشد تلم به شعثها، ويعيد لها كيانها وتماسكها . . . . آمين .
محمد خليفة