ليل بيت حانون قطعة من ليل غزة، لا يكسر سكونه سوى صوت القذائف وانفجار الصواريخ، ليل ما قبل الكهرباء والنفط، لكنه امتداد لنهار ما قبل السيارات وما قبل.. هل وجد ما قبل الطعام؟ إنها غزة التي تصرخ وحيدة، فما من مستجيب لأنها تنتهك في عصر ما بعد المعتصم، شمسها وقمرها سيّان، يبزغان على استحياء، فما من مكترث ولا من متأمل تحتهما ما دامت الأمعاء خاوية والأيدي على الصدور تحسباً لقدر ما لا يتجاوز عمره خمس دقائق أو دقيقة واحدة. ليل بيت حانون مر الأحد بسلام على أسرة أحمد أبو معتق. أرخى الليل سدوله ونامت الأم وأطفالها الأربعة شاخصة عيونهم على ما بعد الفطور. هل من طعام للغداء؟ هل من ليلة أخرى تصمد فيها الكهرباء؟ الأسئلة الكثيرة تجلب النوم، فيما الأب يغيب بالأسبوع بحثاً عن ما بعد الفطور وما بعد الغداء، فتكون وحدة الزمن الغزي لا أيام ولا أسابيع ولا أشهر، إنما لترات وقود ووجبات طعام وجنازات شهداء.
انقضت ليلة وأطلت الشمس برأسها، فهي لا تعترف بالحصار ونعمتها المجانية تُسبغ على الغني والفقير والمحتل ومحتليه، تنذر الأمهات أن حان موعد فطور الصغار كأصحاب أولوية في زمن الحصار العربي أولاً والدولي ثانياً والإسرائيلي ثالثاً. حضرت الأم ميسّر أبو معتق ما تيسّر لصغارها ليسدوا الرمق، وبدأوا يأكلون ويحلمون بالوجبة التالية التي لن تأتي. هناك احتلال هو الأكثر وحشية وسادية في التاريخ، أراحهم من عناء التفكير وأراح أباهم من مشقة تحصيل قوته وتركه وحيداً يكفيه ظل سُلّم ليأوي. الصاروخ الفتاك رحمة، قتل الأم وأطفالها الأربعة في لحظة واحدة، فلا هم تألموا ولا الأم شربت حسرة رباعية على فلذات أكباد أكبرهم خمس سنوات وأصغرهم لم يغادر ربيعه، بل خريفه الأول بعد. عاد الوالد على وقع الخبر ووجد أكوام لحم كانت قبل دقائق أبناء، كانوا وقود أحلامه وبساطاً على ريح الأمل، كانوا مبرر الوجود في مكان يجتاحه فقدان الشعور والإحساس بالطعم واللون والرائحة. هنا ابنة خمسة أعوام، ويبدو أن ولادتها مع ما سمي تضليلاً الانسحاب الإسرائيلي الأحادي من قطاع غزة، قد أوحت لوالدها باسمها هنا. أصغرهم ابن السنة الواحدة مصعب، والاسم يلخص المأساة ويحكي الحكاية، فهو المولود من رحم الحصار. هنيئاً لك مصعب نومك الدافئ في حضن الملائكة. احمل معك إليهم لائحة اتهامك الموقّعة إسرائيلياً وأمريكياً وعربياً، قل لهم إنك لا تعرف لماذا قتلت، أخبرهم أنهم قتلوك قبل أن تفهم معنى الانتخابات ومعنى أن يتخاصم الناس. اسألهم: هل من مكان يكون فيه الأطفال ضريبة الديمقراطية؟ واسألهم أيضاً: ماذا يعني الأسف البالغ والقلق العميق أمام أطفال تشظوا وتحوّلوا أكوام لحم على مائدة لم تعرف اللحم من سنين؟
[email protected]